20.14
في الآية قبل السابقة خاطبه ربه:
إني أنا ربك
[طه: 12] ليطمئنه ويؤنسه بأنه المربي العطوف، يعطي حتى للكافر الذي يعصاه، لكن هنا يخاطبه بقوله: ﴿ إنني أنا الله ﴾ [طه: 14] أي: صاحب التكاليف، والمعبود المطاع في الأمر والنهي، وأول هذه التكاليف وقمتها، والينبوع الذي يصدر عنه كل السلوك الإيماني: ﴿ إنني أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ [طه: 14]. لذلك قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:
" خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ".
وما دام لا إله إلا هو فلا يصح أن نتلقى الأمر والنهي إلا منه، ولا نعتمد إلا عليه، ولا يشغل قلوبنا غيره، وهو سبحانه يريد منا أن نكون وكلاء:
وتوكل على الحي الذي لا يموت
[الفرقان: 58]. فالناصح الفطن الذي لا يتوكل على أحد غير الله، فربما توكلت على أحد غيره، فأصبحت فلم تجده، وصدق الشاعر حين قال:
اجعل بربك كل عزك
يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن يموت
فإن عزك ميت
فكأن الحق سبحانه في قوله: ﴿ لا إله إلا أنا ﴾ [طه: 14] يقول لموسى: لا تخف، فلن تتلقى أوامر من غيري، كما قال سبحانه في آية أخرى:
قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا
[الإسراء: 42]. أي: لذهب هؤلاء الذين يدعون الألوهية إلى الله يجادلونه أو يتوددون إليه، ولم يحدث شيء من هذا. ويشترط فيمن يعطي الأوامر ويشرع ويقنن ألا ينتفع بشيء من ذلك، وأن تكون أوامره ونواهيه لمصلحة المأمورين، ومن هنا يختلف قانون الله عن قانون البشر الذي يدخله الهوى وتخالطه المصالح والأغراض، فمثلا إن كان المشرع والمقنن من العمال انحاز لهم ورفعهم فوق الرأسماليين، وإن كان من هؤلاء رفعهم فوق العمال. وكذلك ألا يغيب عنه شيء يمكن أن يستدرك فيما بعد، وهذه الشروط لا توجد إلا في التشريع الإلهي، فله سبحانه صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق. لذلك قال بعدها: ﴿ فاعبدني ﴾ [طه: 14] بطاعة أوامري واجتناب نواهي، فليس لي هوى فيما آمرك به، إنما هي مصلحتك وسلامتك. ومعنى العبادة: الناس يظنون أنها الصلاة والزكاة والصوم والحج، إنما للعبادة معنى أوسع من ذلك بكثير، فكل حركة في الحياة تؤدي إلى العبادة، فهي عبادة كما نقول في القاعدة: كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فالصلاة مثلا لا تتم إلا بستر العورة، وعليك أن تتأمل قطعة القماش هذه التي تستر بها عورتك: كم يد ساهمت فيها منذ كانت بذرة في الأرض، إلى أن أصبحت قماشا رقيقا يستر عورتك؟ فكل واحد من هؤلاء كان في عبادة وهو يؤدي مهمته في هذه المسألة.
كذلك رغيف العيش الذي تأكله، صنبور المياه الذي تتوضأ منه، كم وراءها من أياد وعمال ومصانع وعلماء وإمكانات جندت لخدمتك، لتتمكن من أداء حركتك في الحياة؟ لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - حينما يحدثنا عن الصلاة يوم الجمعة يقول:
يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله
[الجمعة: 9-10]. وهكذا أخرجنا إلى الصلاة من عمل، وبعد الصلاة أمرنا بالعمل والسعي والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، فمخالفة الأمر في:
فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون
[الجمعة: 9] كمخالفة الأمر في:
فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله
[الجمعة: 10]. وخص البيع هنا لأن البائع أحرص على بيعه من المشتري على شرائه، وربما كان من مصلحة المشتري ألا يشتري؟ فالإسلام - إذن - لا يعرف التكاسل، ولا يرضى بالتنبلة والقعود، ومن أراد السكون فلا ينتفع بحركة متحرك. وسيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما رأى رجلا يقيم بالمسجد لا يفارقه سأل: ومن ينفق عليه؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد منه. لماذا؟ لأنه يسهم في حركة الحياة ويوسع المنفعة على الناس. إذن: فكل عمل نافع عبادة شريطة أن تتوفر له النية، فالكافر يعمل وفي نيته أن يرزق نفسه، فلو فعل المؤمن كذلك، فما الفرق بينهما؟ المؤمن يعمل، نعم ليقوت نفسه، وأيضا لييسر لإخوانه قوتهم وحركة حياتهم. فسائق التاكسي مثلا إذا عمل بمبلغ يكفيه، ثم انصرف إلى بيته، وأوقف سيارته، فمن للمريض الذي يحتاج من يوصله للطبيب؟ والبائع لو اكتسب رزقه، ثم أغلق دكانه من يبيع للناس؟ إذن: اعمل لنفسك، وفي بالك أيضا مصلحة الغير وحاجتهم، فإن فعلت ذلك فأنت في عبادة. تعمل على قدر طاقتك، لا على قدر حاجتك، ثم تأخذ حاجتك من منتوج الطاقة، والباقي يرد على الناس إما في صورة صدقة، وإما بثمن، وحسبك أن يسرت له السبيل. إذن: نقول: العبادة كل حركة تؤدي خدمة في الكون نيتك فيها لله. ثم يقول تعالى: ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ [طه: 14] فلماذا خص الصلاة دون سائر العبادات؟ قالوا: لأن الصلاة هي العبادة الدائمة التي لا تنحل عن المؤمن، ما دام فيه نفس، فالزكاة مثلا تسقط عن الفقير، والصيام يسقط عن المريض، والحج يسقط عن غير المستطيع، أما الصلاة فلا عذر أبدا يبيح تركها، فتصلي قائما أو قاعدا أو مضطجعا، فإن لم تستطيع تصلي، ولو إيماء برأسك أو بجفونك، فإن لم تستطع فحسبك أن تخطرها على قلبك، ما دام لك وعي، فهي لا تسقط عنك بحال. كذلك، فالصلاة عبادة متكررة: خمس مرات في اليوم والليلة لتذكرك باستمرار إن أنستك مشاغل الحياة رب هذه الحياة، وتعرض نفسك على ربك وخالقك خمس مرات كل يوم.