تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.104

الحق - تبارك وتعالى - يقص على رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا ما سيكون من أمر هؤلاء المجرمين في الآخرة، فإذا ما وقعت القيامة جاءت الصورة كما حكاها الله لرسوله هي هي ذلك لأن الله تعالى وسع كل شيء علما. وهذا القول الذي حكاه القرآن عنهم أمر في اختيارهم، وقد سمعوا ذلك من رسول الله، وبوسعهم ألا يقولوا، لكن إذا جاءت القيامة فسوف يقولونه بالحرف الواحد لا يغيرون منه شيئا. وقوله: ﴿ أمثلهم طريقة.. ﴾ [طه: 104] يعني: أحسنهم حكما. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ويسألونك عن الجبال... ﴾.

20.105

تكلمنا عن يسألونك في قوله تعالى:

يسألونك عن الخمر والميسر..

[البقرة: 219]. والسؤال استفهام يعني: طلب فهم يحتاج إلى جواب، والسؤال إما أن يكون من جاهل لعالم، كالتلميذ يسأل أستاذه ليعلم الجواب، أو: من عالم لجاهل، كالأستاذ يسأل تلميذه ليعرف مكانته من العلم وإقراره بما يعلم. وهذه المسألة حلت لنا إشكالا كان المستشرقون يوغلون فيه، يقولون: بينما الحق - تبارك وتعالى - يقول:

فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن

[الرحمن: 39] يقول في آية أخرى:

وقفوهم إنهم مسئولون

[الصافات: 24] فالأولى تنفي السؤال، والثانية تثبته لذلك اتهموا القرآن بالتضارب بين آياته. وهؤلاء معذورون، فليست لديهم الملكة العربية لفهم الأداء القرآني، وبيان هذه الإشكال أن السؤال يرد في اللغة إما لتعلم ما جهلت، وإما لتقرير المجيب بما تعلم أنت ليكون حجة عليه. فالحق سبحانه حين يقول:

وقفوهم إنهم مسئولون

[الصافات: 24] أي: سؤال إقرار، لا سؤال استفهام، فحين ينفي السؤال ينفي سؤال العلم من جهة المتكلم، وحين يثبت السؤال فهو سؤال التقرير. والحدث مرة ينفى، ومرة يثبت، لكن جهة النفي منفكة عن جهة الإثبات، فمثلا الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:

وما رميت إذ رميت..

[الأنفال: 17]. فنفى الرمي في الأولى، وأثبته في الثانية، والحدث واحد، والمثبت له والمنفي عنه واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف نخرج من هذا الإشكال؟ أرمى الرسول أم لم يرم؟ ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلا بالأب الذي جلس بجوار ولده كي يذاكر دروسه، فأخذ الولد يذاكر، ويقلب صفحات الكتاب، وحين أراد الأب اختبار مدى ما حصل من معلومات لم يجد عنده شيئا، فقال للولد: ذاكرت وما ذاكرت. ذاكرت يعني: فعلت فعل المذاكر، وما ذاكرت لأنك لم تحصل شيئا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رمى، أيمكنه أن يوصل هذه الرمية إلى أعين الجيش كله؟ إذن: فرسول الله أخذ قبضة من التراب ورمى بها ناحية الجيش، إنما قدرة الله هي التي أوصلت حفنة التراب هذه وذرتها في أعين الأعداء جميعا. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:

ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[الجاثية: 26] فنفت عنهم العلم، وفي آية أخرى:

يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..

[الروم: 7] فأثبتت لهم علما. نعود إلى قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الجبال.. ﴾ [طه: 105] وحينما استعرضنا يسألونك في القرآن الكريم وجدنا جوابها مسبوقا ب قل كما في قوله تعالى:

يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس..

[البقرة: 219]. وقوله تعالى

يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج..

[البقرة: 189] وهكذا في كل الآيات، ما عدا قوله تعالى هنا ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ﴾ [طه: 105] فاقترن الفعل قل بالفاء، لماذا؟ قالوا: لأن السؤال في كل هذه الآيات سؤال عن شيء وقع بالفعل، فكان الجواب بقل.

مثل:

ويسألونك عن المحيض قل هو أذى..

[البقرة: 222] أما ﴿ ويسألونك عن الجبال.. ﴾ [طه: 105] قال في الجواب ﴿ فقل ينسفها ربي نسفا ﴾ [طه: 105] لأنه حدث لم يقع بعد. والحق - سبحانه وتعالى - يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أنه سيسأل هذا السؤال، فكأن الفاء هنا دلت على شرط مقدر، بمعنى: إن سألوك بالفعل فقل: كذا وكذا. إذن: السؤال عن الجبال لم يكن وقت نزول الآية، أما الأسئلة الأخرى فكانت موجودة، وسئلت لرسول الله قبل نزول آياتها. وقد تأتي إجابة السؤال بدون قل كما في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٩٧