تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تقربا هذه الشجرة..

[البقرة: 35] ولم يقل: لا تأكلا منها ليظل الإنسان بعيدا عن منطقة الخطر ومظنة الفعل. وحينما يحدثنا ربنا عن حدوده التي حدها لنا يقول في الحد المحلل:

تلك حدود الله فلا تعتدوها..

[البقرة: 229] وفي الحد المحرم يقول:

تلك حدود الله فلا تقربوها..

[البقرة: 187] ذلك لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وقد كان للعلماء كلام طويل حول ما نسيه آدم عليه السلام، فمنهم من قال: نسى كل من هذه ولا تقرب هذه، وعلى هذا الرأي لم ينس آدم لأنه نفذ الأمر فأكل مما أحله الله له، أما كونه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها فليس في هذه أيضا نسيان لأن إبليس ذكره بهذا النهي فقال:

ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين

[الأعراف: 20]. فحينما أكل آدم من الشجرة لم يكن ناسيا ما نهاه الله عنه. إذن: ما المقصود بالنسيان هنا؟ المقصود أن آدم - عليه السلام - نسى ما أخبره الله به من عداوة إبليس - لعنه الله - حين قال له:

إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى

[طه: 117]. والفكر البشري لا بد أن تفوته بعض المسائل، ولو كان عند الإنسان يقظة وحذر ما انطلى عليه تغفيل إبليس، فتراه يذكر آدم بالنهي ولم يدعه في غفلته ثم يحاول إقناعه: إن أكلتما من هذه الشجرة فسوف تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين.

وما دمت أنت يا إبليس بهذا الذكاء، فلماذا لم تأكل أنت من الشجرة وتكون ملكا أو تكون من الخالدين؟ لماذا تضاءلت فصرت أرنبا تقول:

أنظرني إلى يوم يبعثون

[الأعراف: 14]. إذن: هذا نموذج من تغفيل إبليس لآدم وذريته من بعده، يلفتنا الله تعالى إليه يقول: تيقظوا واحذروا، فعداوته لكم مسبقة منذ سجد الجميع لآدم تكريما، وأبى هو أن يسجد. فكان على آدم أن يحذر عدوه، وأن يتحصن له بسوء الظن فيه، فينظر في قوله ويفكر في كلامه ويفتش في اقتراحه. والبعض يقول: إن خطأ آدم ناتج عن نسيان، فهو خطأ غير متعمد، والنسيان مرفوع، كما جاء في الحديث الشريف:

" إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".

فهل كان النسيان قديما لا يرفع، ورفع لهذه الأمة إكراما لها؟ فأصحاب هذا القول يلتمسون العذر لآدم عليه السلام، لكن كيف وقد كلفه ربه مباشرة، وكلفه بأمر واحد، فالمسألة لا تحتمل نسيانا، فإذا نسي آدم مع وحدة التكليف وكونه من الله مباشرة، فهذا على آية حال جريمة. ثم يقص الحق سبحانه علينا قصة آدم مع إبليس: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦١١