تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.19

ارم بها على الأرض، وهو هنا إلقاء الدربة والتمرين على لقاء فرعون، وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام، فلم تعد للتوكؤ والهش على الغنم، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حية، قال الحق سبحانه: ﴿ فألقاها فإذا هي حية... ﴾.

20.20

وهذه نقلة كبيرة في مسألة العصا، فقد كان في الإمكان لإثبات المعجزة أن تتحول العصا، وهي عود جاف من الخشب إلى شجرة خضراء، لكن الحق - تبارك وتعالى - يجري لموسى هذه المعجزة لأنه سيحتاج إليها فيما بعد، ولو تحولت العصا إلى شجرة خضراء فسوف تستقر في مكانها، أما حين تتحول إلى حية فهي حيوان متحرك، تجري هنا وهناك، وهذا ما سيحتاجه موسى في معركته القادمة. ألقى موسى عصاه ﴿ فإذا هي.. ﴾ [طه: 20] إذا هنا فجائية كما تقول: خرجت فإذا أسد بالباب. وحينما ألقى موسى العصا سرعان ما تحولت وهي جافة يابسة إلى حية، وحية تسعى ليست جامدة ميتة، أليست هذه مفاجأة؟ وطبيعي أن يخاف موسى - عليه السلام - مما رآه، فطمأنه ربه فقال: ﴿ قال خذها ولا تخف... ﴾.

20.21

أي: امسكها بيدك، وسوف نعيدها في الحال ﴿ سيرتها الأولى ﴾ [طه: 21] أي: كما كانت عصا يابسة جافة في يدك، وقال: ﴿ لا تخف.. ﴾ [طه: 21] لما ظهر عليه من أمارات الخوف. وقد أخبر عن خوفه في آية أخرى:

فأوجس في نفسه خيفة موسى

[طه: 67]. وكانت هذه المسألة تدريبا لموسى - عليه السلام - وتجربة، فللعصا مهمة في رسالته، وسوف تكون هي معجزته في صراعه مع فرعون حين يضرب بها البحر وفي دعوته لبني إسرائيل حين يضرب بها الحجر فيتفجر منه الماء. وقد عالج القرآن هذه القصة في لقطات مختلفة، فمرة يقول عن العصا كأنها ثعبان. ومرة يقول: حية. وأخرى يقول: جان لذلك اعترض البعض على هذه الاختلافات، فأيها كانت العصا؟ الحقيقة أنها صور مختلفة للعصا حينما انقلبت، فمن ناحية قتلتها المميتة هي حية، ومن ناحية ضخامتها ثعبان، ومن ناحية خفة حركتها جان، وكل هذه الخصائص كانت في العصا، وحين تجمع كل هذه اللقطات تعطيك الصورة الكاملة للعصا بعد أن صارت حية. فآيات القرآن - إذن - تتكامل لترسم الصورة المرادة للحق تبارك وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ واضمم يدك إلى جناحك... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٣٨