20.81
الطعام والشراب والهواء مقومات الحياة التي ضمنها الله عز وجل لنا، والأمر بالأكل هنا للإباحة، وليست فرضا عليك أن تأكل إلا إذا أردت الإضراب عن الطعام إضرابا يضر بحياتك فعندها تجبر عليه. وقوله: ﴿ من طيبات ما رزقناكم.. ﴾ [طه: 81] خص الطيبات لأن الرزق: منه الطيب، ومنه غير الطيب، فالرزق: كل ما انتفعت به ولو كان حراما. بمعنى أن ما نلته من الحرام هو أيضا من رزقك إلا أنك تعجلته بالحرام، ولو صبرت عليه وعففت نفسك عنه لنلت أضعافه من الحلال. ثم يقول تعالى: ﴿ ولا تطغوا فيه.. ﴾ [طه: 81] وفي آية البقرة
وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
[النحل: 118] فكأن ظلم النفس علته أنهم طغوا في الأكل من الرزق. والطغيان: من طغى الشيء إذا زاد عن حده المألوف الذي ينتفع به، ومنه طغيان الماء إذا زاد عن الحد الذي يزيل الشرق والعطش إلى حد أنه يغرق، كما قال تعالى:
إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية
[الحاقة: 11] أي: تجاوز الحد الذي ينتفع به إلى العطب والهلاك. وهكذا في أي حد، لكن كيف تتأتى مجاوزة الحد في الطعام والأقوات؟ الحق - تبارك وتعالى - لما خلق الأرض قدر فيها أقواتها إلى يوم القيامة، فقال تعالى:
وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها..
[فصلت: 10]. فاطمئنوا إلى هذه المسألة، وإذا رأيتم الأرض لا تعطي فلا تتهموها، إنما اتهموا أنفسكم بالتقصير والتكاسل عن عمارة الأرض وزراعتها، كما أمركم الله:
هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها..
[هود: 61]. وقد غفلنا زمنا عن هذه المسألة، حتى فاجأتنا الأحداث بكثرة العدد وقلة المدد، فكان الخروج إلى الصحراء وتعميرها. وما دام أن الخالق - عز وجل - خلق لنا أرزاقنا ومقومات حياتنا، وجعلها مناسبة لهذا الإنسان الذي كرمه وجعله خليفة له في الأرض، وجعل لهذا الرزق ولهذه المقومات حدودا حدها وبينها هي الحلال، فلا ينبغي لك بعد ذلك أن تتعدى هذه الحدود، وتطغى في تناول طعامك وشرابك. ونحن نرى حتى الآلات التي صنعها البشر، لكل منها وقودها الخاص، وإذا أعطيتها غيره لا تؤدي مهمتها، فمثلا لو وضعت للطائرة سولارا لا تتحرك، فليس هو الوقود المناسب لطبيعتها. إذن: حدودك في مقومات حياتك الحلال، ولو استقرأنا ما أحل الله وما حرم لوجدنا الأصل في الأشياء أنها حلال، والكثير هو المحلل لك، أما المحرم عليك فهو القليل المحصور الذي يمكن تحديده. لذلك يقول عز وجل:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..
[الأنعام: 151] ولم يقل مثلا في آية أخرى: تعالوا أتل ما أحل الله لكم لأنها مسألة تطول ولا تحصى. إذن: ساعة أعطاك ربك قال لك: هذا رزقك الحلال الخالص، ومنه وقودك ومقومات حياتك، وبه بقاؤك ونشاط حركتك.
فلا تتعد الحلال على كثرته إلى الحرام على قلته وانحصاره في عدة أنواع، بينها لك وحذرك منها. وبالغذاء تتم في الجسم عملية الأيض يعني: الهدم والبناء، وهي عملية مستمرة في كل لحظة من لحظاتك، فإياك أن تبني ذرة من ذراتك من الحرام لأن ذرة الحرام هذه تظل تشاغبك وتلح عليك كي توقعك في أصلها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿ يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ﴾ وقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ".
ذلك لأن ذرات بنائه غير منسجمة، لأنها نمت على وقود ما أحله الله له. لذلك تسمع من بعض المتمحكين: ما دام أن الله خلق الخنزير فلماذا حرمه؟ نقول: لقد فهمت أن كل مخلوق خلق ليؤكل، وهذا غير صحيح، فالله خلق البترول الذي تعمل به الآلات، أتستطيع أن تشربه كالسيارة؟ إذن: فرق بين شيء مخلوق لشيء، وأنت توجهه لشيء آخر، هذه تسمى إحالة أي: تحويل الشيء إلى غير ما جعل له، وهذا هو الطغيان في القوت لأنك نقلت الحرام إلى الحلال. وقد يأتي الطغيان في صورة أخرى، كأن تأكل ما أحل الله من الطيبات، لكنك تحصل عليها بطريق غير مشروع، وتعود نفسك الكسل عن الكسب الحلال، فتأخذ مجهود غيرك وتعيش عالة عليه، فإلى جانب أنك تتغذى على الحرام فأنت أيضا تزهد غيرك في الحركة والإنتاج والملك، وما فائدة أن يتعب الإنسان ويأخذ غيره ثمرة تعبه؟ وقد أخذ الطغيان بهذا المعنى صورا متعددة في مجتمعاتنا، فيمكن أن ندرج تحته: الغصب، والخطف، والسرقة، والاختلاس، والرشوة، وخيانة الأمانة، وخداع من استأجرك إلى غير ذلك من أخذ أموال الناس بالباطل ودون وجه حق، وكل عمل من هذه التعديات له صورته. فالخطف: أن تخطف مال غيرك دون أن يكون في متناول يد المخطوف منه ثم تفر منه، فإن كان في متناول يده وأنت غالبته عليه، وأخذته عنوة فهو غصب مأخوذ من: غصب الجلد عن الشاة أي: سلخه عنها. فإن كان أخذ المال خفية وهو في حرزه فهي سرقة. وإن كنت مؤتمنا على مال بين يديك فأخذت منه خفية فهو اختلاس.. الخ. إذن: أحل الله لك أشياء، وحرم عليك أخرى، فإن كان الشيء في ذاته حلالا فلا تأخذه إلا بحقه حتى يحترم كل منا عمل الآخر وحركته في الحياة وملكيته للأشياء، وبذلك تستقيم بنا حركة الحياة، ويسعد الجميع ونعين المنفق، ونأخذ على يد المتسيب البلطجي.