20.126
أي: نعاملك كما عاملتنا، فننساك كما نسيت آياتنا. والآيات جمع آية، وهي الأمر العجيب، وتطلق على الآيات الكونية التي تلفت إلى المكون سبحانه، وتطلق على المعجزات التي تؤيد الرسل، وتثبت صدق بلاغهم عن الله، وإن كانت الآيات الكونية تلفت إلى قدرة الخالق - عز وجل - وحكمته، فالرسول هو الذي يدل الناس على هذه القوة، وعلى صاحب هذه الحكمة والقدرة التي يبحث عنها العقل. أيها المؤمنون هذه القوة هي الله، والله يريد منك كذا وكذا، فإن أطعته فلك من الأجر كذا وكذا، وإن عصيته فعقابك كذا وكذا، ثم يؤيد الرسول بالمعجزات التي تدل على صدقه في البلاغ عن ربه. وتطلق الآيات على آيات الكتاب الحاملة للأحكام وللمنهج. وأنت كذبت بكل هذه الآيات ولم تلتفت إليها، فلما نسيت آيات الله كان جزاءك النسيان جزاء وفاقا. والنسيان هنا يعني الترك، وإلا فالنسيان الذي يقابله الذكر معفى عنه ومعذور صاحبه. أما قوله: ﴿ وكذلك اليوم تنسى ﴾ [طه: 126] أي تنسى في النعيم وفي الجنة، لكنك لا تنسى في العقاب والجزاء. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وكذلك نجزي من أسرف... ﴾.
20.127
قوله تعالى: ﴿ كذلك.. ﴾ [طه: 127] أي: مثل هذا الجزاء ﴿ نجزي من أسرف.. ﴾ [طه: 127] والإسراف: تجاوز الحد في الأمر الذي له حد معقول، فالأكل مثلا جعله الله لاستبقاء الحياة، فإن زاد عن هذا الحد فهو إسراف. دخلك الذي يسره الله لك يجب أن تنفق منه في حدود، ثم تدخر الباقي لترقى به في الحياة، فإن أنفقته كله فقد أسرفت، ولن تتمكن من أن ترقى نفسك في ترف الحياة. ولذلك يقول الحق سبحانه:
إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين..
[الإسراء: 27]. وللإسلام نظرته الواعية في الاقتصاديات، فالحق يريد منك أن تنفق، ويريد منك ألا تسرف وبين هذين الحدين تسير دفة المجتمع، ويدور دولاب الحياة، فإن بالغت في حد منهما تعطلت حركة الحياة، وارتبك المجتمع وبارت السلع. وقد أوضح الحق سبحانه هذه النظرة في قوله:
والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما
[الفرقان: 67]. فربك يريد منك أن تجمع بين الأمرين لأن التقتير والإمساك يعطل حركة الحياة، والإسراف يجمد الحياة ويحرمك من الترقي، والأخذ بأسباب الترف لذلك قال تعالى:
فتقعد ملوما محسورا
[الإسراء: 29]. وقد يكون الإسراف من ناحية أخرى: فربك عز وجل خلقك، وخلق لك مقومات حياتك، وحدد لك الحلال والحرام، فإذا حاولت أنت أن تزيد في جانب الحلال مما حرمه الله عليك، فهذا إسراف منك، وتجاوز للحد الذي حده لك ربك، تجاوزت الحد فيما أحل لك، وفيما حرم عليك. وقد يأتي الإسراف من ناحية أخرى: فالشيء في ذاته قد يكون حلالا، لكن أنت تأخذه من غير حلة. فإذا نقلنا المسألة إلى التكاليف وجدنا أن الله تعالى أحل أشياء وحرم أشياء، فلا تنقل شيئا مما حرم إلى شيء أحل، ولا شيئا مما أحل إلى شيء حرم، كما قال سبحانه:
قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق..
[الأعراف: 32]. وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك..
[التحريم: 1]. إذن: فربك لا يضيق عليك، وينهاك أن تضيق على نفسك وتحرم عليها ما أحل لها، كما يلومك على أن تحلل ما حرم عليك لأن ذلك في صالحك. وكما يكون الإسراف في الطعام والشراب وهما من مقومات استبقاء الحياة، يكون كذلك في استبقاء النوع بالزواج والتناسل، إلى أن تقوم الساعة، فجعل الحق سبحانه للممارسة الجنسية حدودا تضمن النسل والاستمتاع الحلال، فمن تعدى هذه الحدود فقد أسرف. ومن رحمته تعالى أنه يغفر لمن أسرف على نفسه شريطة أن يكون مؤمنا:
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله..
[الزمر: 53]. وقوله تعالى: { وكذلك نجزي من أسرف.