20.51
أي: ما شأن الأمم السابقة؟ لكن ما دخل القرون الأولى بما نتكلم فيه؟ كلمة البال: هو الفكر، نقول: خطر ببالي. أي: بفكري، ولا يأتي في الفكر وبؤرة الشعور إلا الأمر المهم. لكن، سرعان ما أحس موسى بمراوغة فرعون، ومحاولة الهرب من الموضوع الأساسي فسد عليه الباب.
20.52
فهذه المسألة ليست من اختصاصي لأن الذي يسأل عن القرون الأولى هو الذي يجازيها، وينبغي أن يعلم حالها، وما هي عليه من الإيمان أو الكفر ليجازيها على ذلك، إذن: هذا سؤال لا موضع له، إنه مجرد هزل ومهاترة وهروب، فلا يعلم حال القرون الأولى إلا الله لأن سبحانه هو الذي سيجازيها. ومعنى ﴿ في كتاب.. ﴾ [طه: 52] أي: سجلها في كتاب، يطلع عليه الملائكة المدبرات أمرا ليمارسوا مهمتهم التي جعلهم الله لها، وليس المقصود من الكتاب أن الله يطلع عليه ويعلم ما فيه لأنه سبحانه ﴿ لا يضل ربي ولا ينسى ﴾ [طه: 52]. ثم أرجعه موسى إلى القضية الأولى قضية الخلق، ولكن بصورة تفصيلية: ﴿ الذي جعل لكم الأرض مهدا... ﴾.
20.53
مهدا: من التمهيد وتوطئة الشيء ليكون صالحا لمهمته، كما تفعل في فراشك قبل أن تنام، ومن ذلك يسمى فراش الطفل مهدا لأنك تمهده له وتسويه، وتزيل عنه ما يقلقه أو يزعجه ليستقر في مهده ويستريح. ولا بد لك أن تقوم له بهذه المهمة لأنه يعيش بغريزتك أنت، إلا أن تتنبه غرائزه لمثل هذه الأمور، فيقوم بها بنفسه لذلك لزمك في هذه الفترة رعايته وتربيته والعناية به. فمعنى ﴿ جعل لكم الأرض مهدا.. ﴾ [طه: 53] أي: سواها ومهدها لتكون صالحة لحياتكم ومعيشتكم عليها. وليس معنى مهدها جعلها مستوية، إنما سواها لمهمتها، وإلا ففي الأرض جبال ومرتفعات ووديان، وبدونها لا يستقيم لنا العيش عليها، فتسويتها تقتضي إصلاحها للعيش عليها، سواء بالاستواء أو التعرج أو الارتفاع أو الانخفاض. فمثلا في الأرض المستوية نجد الطرق مستوية ومستقيمة، أما في المناطق الجبلية فهي متعرجة ملتوية لأنها لا تكون إلا كذلك، ولها ميزة في التوائها أنك لا تواجه الشمس لفترة طويلة، بل تراوح بين مواجهة الشمس مرة والظل أخرى. وسبق أن ضربنا مثلا بالخطاف الذي نصنعه من الحديد، فلو جعلناه مستقيما ما أدى مهمته، إذن: فاستقامته في كونه معوجا فتقول: سويته ليؤدي مهمته، ولو كان مستقيما ما جذب الشيء المراد جذبه به. إذن: نقول التسوية: جعل الشيء صالحا لمهمته، سواء أكان بالاعتدال أو الاعوجاج، سواء أكان بالأمت أو بالاستقامة. ثم يقول تعالى: ﴿ وسلك لكم فيها سبلا.. ﴾ [طه: 53] أي: طرقا ممهدة توصلكم إلى مهماتكم بسهولة. سلك: بمعنى دخل، وتأتي متعدية، تقول: سلك فلان الطريق. وقال تعالى:
ما سلككم في سقر
[المدثر: 42] فالمخاطبون مسلوكون في سقر يعني: داخلون، وقال:
اسلك يدك في جيبك
[القصص: 32] أي: أدخلها. فتعديها إلى المفعول الداخل أو للمدخول فيه، فقوله: ﴿ وسلك لكم فيها سبلا.. ﴾ [طه: 53] متعدية للمدخول فيه أي: عديت المخاطب إلى المدخول فيه، فأنتم دخلتم، والسبل مدخول فيه. إذن: المفعول مرة يكون المسلوك، ومرة يكون المسلوك فيه. وحينما تسير في الطرق الصحراوية تجدها مختلفة على قدر طاقة السير فيها، فمنها الضيق على قدر القدم للشخص الواحد، ومنها المتسع الذي تسير فيه الجمال المحملة أو السيارات، فسلك لكم طرقا مختلفة ومتنوعة على قدر المهمة التي تؤدونها. ثم يقول تعالى: ﴿ وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى ﴾ [طه: 53]. وهذه أيضا من مسألة الخلق التي لا يدعيها أحد لأنها دعوى مردودة على مدعيها، فأنت يا من تدعي الألوهية أخرج لنا شيئا من ذلك، إرنا نوعا من النبات فلن يقدر، وبذلك لزمته الحجة. كما أن إنزال الماء من السماء ليس لأحد عمل فيه، لكن عندما يخرج النبات قد يكون لنا عمل مثل الحرث والبذر والسقي وخلافه، لكن هذا العمل مستمد من الأسباب التي خلقها الله لك لذلك لما تكلم عن الماء قال أنزل فلا دخل لأحد فيه، ولما تكلم عن إخراج النبات قال أخرجنا لأنه تتكاتف فيه صفات كثيرة، تساعد في عملية إخراجه، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يحترم عملك السببي ويقدره.