تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.91

﴿ لن نبرح.. ﴾ [طه: 91]. أي: سنظل عل هذا الحال، البعض يظن أنها للمكان فقط، إنما هي حسب ما تتعلق به، تقول: لا أبرح سائرا حتى أصل لغرضي، ولا أبرح هذه المكان فقد تكون للمكان، وقد تكون للحال. كما ورد في القرآن: - للمكان والإقامة في قوله:

فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي..

[يوسف: 80]. - وللحال في قوله تعالى:

وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين..

[الكهف: 60] أي: لا أبرح السير. فالمعنى ﴿ لن نبرح عليه عاكفين.. ﴾ [طه: 91] سنظل على عبادته حتى يرجع موسى، فلن نمكث هذه الفترة دون إله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم... ﴾.

20.92-93

هذا حوار دار بين موسى وأخيه هارون ﴿ ما منعك.. ﴾ [طه: 92] وقد وردت هذه الكلمة في القرآن بأسلوبين: الأول: قوله تعالى:

ما منعك أن تسجد..

[ص: 75] أي: ما منعك من السجود. والآخر:

ما منعك ألا تسجد..

[الأعراف: 12]. أي: ما منعك أن لا تسجد لأن المانع قد يكون قهرا عنك، وأنت لا تريد أن تفعل، وقد يأتي آخر فيقنعك أن تفعل. فمرة يرغمك: أنت لا تريد أن تسجد يقول لك: اسجد. إذن: منعك أن تسجد يعني قهرا عنك، لكن أقنعك أن تسجد أنت باختيارك فقد منعك ألا تسجد. إذن: مرة من النفس، ومرة من الغير، وهكذا يلتقي الأسلوبان. فقوله: ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري ﴾ [طه: 92-93] أي: من اتباعي، لكن هل موسى عليه السلام هنا يستفهم؟ الحقيقة أنه لا يريد الاستفهام، فقد تخاطب إنسانا بذنب، وأنت لا تعلم ذنبه، إنما تخاطبه بصورة الذنب لتسمع الرد منه، فيكون ردا على من يعترض عليه. ومن ذلك ما كان من سيدنا عمر - رضي الله عنه - عند الحجر الأسود، فلما قبله قال: " اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ". إذن: قبله عمر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله، إلا أنه جاء بهذا الكلام ليعطينا الجواب المستمر على مر التاريخ لكل من يسأل عن تقبيل الحجر. وهنا أثارها موسى شبهة كي نسمع نحن الجواب، ولنسمع الرد من صاحب الشأن باقيا سائرا في طول الأزمان.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٨٩