تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.114

﴿ تعلى.. ﴾ [طه: 114] تنزه وارتفع عن كل ما يشبه الحادث، تعالى ذاتا، فليست هناك ذات كذاته، وتعالى صفاتا فليست هناك صفة كصفته، فإن وجدت صفة في الخلق تشبه صفة في الخالق سبحانه، فخذها في ضوء

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. فالحق سبحانه لا يضن على عبده أن يسميه خالقا إن أوجد شيئا من عدم، إنما لما تكلم عن خلقه سبحانه، قال:

فتبارك الله أحسن الخالقين

[المؤمنين: 14]. فأنت خالق، لكن ربك أحسن الخالقين، فأنت خلقت من موجود أما ربك عز وجل فقد خلق من العدم، أنت خلقت شيئا جامدا على حالة واحدة، والله خلق خلقا حيا ناميا، يحس ويتحرك ويتكاثر، وسبق أن مثلنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بصانع الأكواب الزجاجية من الرمال، وأوضحنا الفرق بين خلق وخلق. وقوله تعالى: ﴿ فتعلى الله الملك الحق.. ﴾ [طه: 114] تلفتنا إلى ضرورة التطلع إلى أعلى في التشريع. فما الذي يجبرك أن تأخذ تشريعا من عبد مثلك؟ ولماذا لا يأخذ هو تشريعك؟ إذن: لا بد أن يكون المشرع أعلى من المشرع له. ومن ألفاظ تنزيه الله التي لا تقال إلا له سبحانه كلمة سبحان الله أسمعت بشرا يقولها لبشر؟ وهناك كفرة وملاحدة ومنكرون للألوهية ومعاندون، ومع ذلك لم يقلها أحد مدحا في أحد. كذلك كلمة تعالى وتبارك لا تقال إلا لله، فنقول: تباركت ربنا وتعاليت أي: وحدك لا شريك لك. فقوله: ﴿ فتعلى الله.. ﴾ [طه: 114] علا قدره وارتفع التنزيه ارتفاعا لا يوصل إليه، أما التعالي في البشر فيما بينهم فأمر ممقوت أما تعالى الحق سبحانه فمن مصلحة الخلق، وهذه اللفتة يعبر عنها أهل الريف، يقولون اللي ملوش كبير يشتري له كبير لأن الكبير هو الذي سيأخذ بيد الضعيف ويدك طغيان القوى، فإذا لم يكن لنا كبير نختلف ونضيع. إذن: من مصلحة الكون كله أن يكون الله متعاليا، والحق ليس متعاليا علينا، بل متعال من أجلنا ولصالحنا، فأي متعال أو جبار من البشر عندما يعلم أن الله أعلى منه يندك جبروته وتعاليه، وأي ضعيف يعلم أن له سندا أعلى لا يناله أحد، فيطمئن ويعيش آمنا وبذلك يحدث التوازن الاجتماعي بين الناس. ونحن نحب عبوديتنا لله عز وجل، وإن كانت العبودية كلمة بغيضة مكروهة حين تكون عبودية الخلق للخلق فيأخذ السيد خير عبده، إلا أن العبودية لله شرف وكرامة لأن العبد لله هو الذي يأخذ خير سيده، فأنا عبد لله وعبوديتي له لصالحي أنا، ولن أزيد في ملكه شيئا، ولن ينتفع من ورائي بشيء لأنه سبحانه زوال ملكه وزوال سلطانه في الكون قبل أن يخلق الخلق، فبقدرته وعظمته خلق، وقبل أن توجد أنت أيها الإنسان الطاغي المتمرد أوجد لك الكون كله بما فيه.

فأنت بإيمانك لن تزيد شيئا في ملك الله، كما جاء في الحديث القدسي:

" يا عبادي إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضري فتضروني.. "

فأنا إن تصرفت فيكم فلمصلحتكم، لا يعود علي من ذلك شيء. وقوله تعالى: ﴿ الملك الحق.. ﴾ [طه: 114] لأن هناك ملوكا كثيرين، أثبت الله لهم الملك وسماهم ملوكا، كما قال سبحانه:

وقال الملك ائتوني به..

[يوسف: 50] وقال:

ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك..

[البقرة: 258]. إذن: في الدنيا ملوك، لكنهم ليسوا ملوكا بحق، الملك بحق هو الله لأن ملوك الدنيا ملوك في ملك موهوب لهم من الله، فيمكن أن يفوت ملكه، أو يفوته الملك، وأي ملك هذا الذي لا يملكه صاحبه؟ أي ملك هذا الذي يسلب منك بانقلاب أو بطلقة رصاص؟ إذن: الملك الحق هو الله، وإن ملك بعض الخلق شئون بعض لمصلحتهم، فهو سبحانه الذي يهب الملك، وهو الذي ينزعه إن أراد:

تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء..

[آل عمران: 26]. فالحق سبحانه له الملك الحق، ويهب من ملكه لمن يشاء، لكن يظل الملك وما ملكه في قبضة الله لأنه سبحانه قيوم على خلقه لا يخرج أحد عن قيوميته. وقد نسمع من يسب الملوك والرؤساء، ومن يخوض في حقهم، وهو لا يدري أن ملكهم من الله، فهو سبحانه الذي ملكهم وفوضهم، ولم يأخذ أحد منهم ملكا رغما عن الله، فلا تعترض على اختيار الله واحترم من فوضه الله في أمرك، واعلم أن في ذلك مصلحة البلاد والعباد، ومن يدريك لعل الطاغية منهم يصبح غدا واحدا من الرعية. إذن: الحق سبحانه ملك بعض الناس أمر بعض: هذا يتصرف في هذا، وهذا يملك هذا لتسير حركة الكون، فإذا كانت القيامة، قال عز وجل:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٠٦