20.17
ما: استفهامية. والتاء بعدها إشارة لشيء مؤنت، هو الذي يمسكه موسى في يده، والكاف للخطاب، كأنه قال له: ما هذا الشيء الذي معك؟ والجواب عن هذا السؤال يتم بكلمة واحدة: عصا. أما موسى - عليه السلام - فهو يعرف أن الله تعالى هو الذي يسأل، ولا يخفى عليه ما في يده، ولكنه كلام الإيناس لأن الموقف صعب عليه، ويريد ربه أن يطمئنه ويؤنسه. وإذا كان الإيناس من الله، فعلى العبد أن يستغل هذه الفرصة ويطيل أمد الائتناس بالله عز وجل، ولا يقطع مجال الكلام هكذا بكلمة واحدة لذلك رد موسى عليه السلام: ﴿ قال هي عصاي أتوكأ عليها... ﴾.
20.18
قال موسى: ﴿ هي عصاي ﴾ [طه: 18]، ثم يفتح لنفسه مجالا آخر للكلام: ﴿ أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ﴾ [طه: 18] وهنا يرى موسى أنه تمادى وزاد، فيحاول الاختصار: ﴿ ولي فيها مآرب أخرى ﴾ [طه: 18]. وكان موسى ينتظر سؤالا يقول: وما هذه المآرب؟ ليطيل أنسه بربه، وإذا كان الخطاب مع الله فلا ينهيه إلا زاهد في الله. وللعصا تاريخ طويل مع الإنسان، فهي لازمة من لوازم التأديب والرياضة، ولازمة من لوازم الأسفار، ولها أهميتها في الرعي.. الخ وهنا يذكر موسى - عليه السلام - بعض هذه الفوائد - يقول: ﴿ أتوكأ عليها ﴾ [طه: 18] أي: أعتمد عليها، وأستند عندما أمشي، والإنسان يحتاج إلى الأعتماد على عصا عند السير وعند التعب لأنه يحتاج إلى طاقتين: طاقة للحركة والمشي، وطاقة لحمل الجسم والعصا تساعده في حمل ثقل جسمه، خاصة إن كان متعبا لا تقوى قدماه على حمله. فقوله: ﴿ أتوكأ عليها ﴾ [طه: 18] أي: أعتمد عليها حين المشي وحين أقف لرعي الغنم فأستند عليها، والاتكاء يراوح الإنسان بين قدميه فيريح القدم التي تعبت، وينتقل من جنب إلى جنب. والإنسان إذا ما استقر جسمه على شيء لمدة طويلة تنسد مسام الجسم في هذا المكان، ولا تسمح بإفراز العرق، فيسبب ذلك ضررا بالغا نراه في المرضى الذين يلازمون الفراش لمدة طويلة، ويظهر هذا الضرر في صورة قرحة يسمونها " قرحة الفراش " لذلك ينصح الأطباء هؤلاء المرضى بأن يغيروا من وضعهم، فلا ينامون على جنب واحد. لذلك شاءت قدرة الله عز وجل أن يقلب أهل الكهف في نومهم من جنب إلى جنب، كما قال سبحانه:
ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال..
[الكهف: 18]. لذلك إذا وقف الإنسان طويلا، أو جلس طويلا ولم يجد له متكأ تراه قلقا غير مستقر، ومن هنا كان المتكأ من مظاهر النعمة والترف في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى في شأن امرأة العزيز:
وأعتدت لهن متكئا..
[يوسف: 31]. وقال عن نعيم الآخرة:
متكئين على سرر مصفوفة..
[الطور: 20]. وقال:
متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق..
[الرحمن: 54]. وقال الحق تبارك وتعالى:
متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان
[الرحمن: 76]. فالاتكاء وسيلة من وسائل الراحة، وعلى الإنسان أن يغير متكأه من جنب إلى جنب حتى لا يتعرض لما يسمى ب " قرحة الفراش ". ومن فوائد العصا: ﴿ وأهش بها على غنمي.. ﴾ [طه: 18] أي: أضرب بها أوراق الشجر فتتساقط فتأكلها الغنم والماشية لأن الراعي يمشي بها في الصحراء، فتأكل من العذي، وهو النبات الطبيعي الذي لم يزرعه أحد، ولا يسقيه إلا المطر، فإن انتهى هذا العشب اتجه الراعي إلى الشجر العالي فيسقط ورقه لتأكله الغنم، فيحتاج إلى العصا ليؤدي بها هذه المهمة.
إذن: قوله: ﴿ أتوكأ عليها.. ﴾ [طه: 18] لراحته هو، و ﴿ وأهش بها على غنمي.. ﴾ [طه: 18] لخدمة الرعية، وفيها سياسة إدارة الرزق كلها للماشية وللناس، ورعي الغنم وسياستها تدريب على سياسة الأمة بأسرها لذلك ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم ليتعلم من سياسة الماشية سياسة الإنسان. وفي الحديث الشريف:
" ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ".