20.130
فما دام أن القوم يكذبون رسول الله، وهم في مأمن من العذاب، فلا بد أن يتمادوا في تكذيبهم، ويستمروا في عنادهم لرسول الله لذلك يتوجه الحق - سبحانه وتعالى - إلى الناحية الأخرى فيعطي رسوله صلى الله عليه وسلم المناعة اللازمة لمواجهة هذا الموقف ﴿ فاصبر على ما يقولون.. ﴾ [طه: 130] لأن لك بكل صبر أجرا يتناسب مع ما تصبر عليه. والصبر قد يكون ميسورا سهلا في بعض المواقف، وقد يكون شديدا وصعبا ويحتاج إلى مجاهدة، فمرة يقول الحق لرسوله: اصبر. ومرة يقول: اصطبر. فما الأقوال التي يصبر عليها رسول الله؟ قولهم له: ساحر. وقولهم: شاعر وقولهم: مجنون وكاهن، كما قالوا عن القرآن: أضغاث أحلام. وقالوا: أساطير الأولين. فاصبر يا محمد على هذا كله لأن كل قولة من أقوالهم تحمل معها دليل كذبهم. فقولهم عن رسول الله: ساحر، فمن الذي سحره رسول الله؟ سحر المؤمنين به، فلماذا - إذن - لم يسحركم أنتم أيضا، وتنتهي المسألة. إذن: بقاؤكم على عناده والكفر به دليل براءته من هذه التهمة. وقولهم: شاعر، كيف وهم أمة صناعتها الكلام، وفنون القول شعره ونثره، فكيف يخفى عليهم أسلوب القرآن؟ والشعر عندهم كلام موزون ومقفى، فهل القرآن كذلك؟ ولو جاء هذا الاتهام من غيركم لكان مقبولا، أما أن يأتي منكم أنتم يا من تجعلون للكلام أسواقا ومعارض كمعارض الصناعات الآن، فهذا غير مقبول منكم. وسبق أن قلنا: إنك إذا قرأت مقالا مثلا، ومر بك بيت من الشعر تشعر به وتحس أذنك أنك انتقلت من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر. فخذ مثلا قول ابن زيدون: " هذا العذل محمود عواقبه، وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضا أملؤها، وأثقل السحائب مشيا أحفلها. ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب، له العتب في احتباله، ولا عتب عليه في اغتفاله.
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا
فأفعاله اللائي سررن ألوف "
على الفور تحس أذنك أنك انتقلت من نثر إلى شعر. فإذا ما قرأت في القرآن مثلا قوله تعالى:
وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم..
[يوسف: 30-32]. فهل أحسست بانتقال الأسلوب من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر؟ ومع ذلك لو وزنت
فذلكن الذي لمتنني فيه..
[يوسف: 32] لوجدت لها وزنا شعريا. وقوله تعالى:
نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم
[الحجر: 49]. لو أردتها بيتا شعريا تقول نبىء عبادي أني * أنا الغفور الرحيم. ومع ذلك تقرأها في سياقها، فلا تشعر أنها شعر لأن الأسلوب فريد من نوعه، وهذه من عظمة القرآن الكريم، كلام فذ لوحده غير كلام البشر. أما قولهم " مجنون " فالمجنون لا يدري ما يفعل، ولا يعقل تصرفاته ولا يسأل عنها، ولا نستطيع أن نتهمه بشيء فنقول عنه مثلا كذاب أو قبيح لأن آلة الاختيار عنده معطلة، وليس لديه انسجام في التصرفات، فيمكن أن يضحك في وجهك، ثم يضربك في نفس الوقت، يمكن أن يعطيك شيئا ثم يتفل في وجهك. والمجنون ليس له خلق، والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم:
ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم
[القلم: 1-4]. والخلق هو الملكة المستقرة للخير، فكيف يكون محمد مجنونا، وهو على خلق عظيم؟ ثم هل جربتم عليه شيئا مما يفعله المجانين. أما قولهم: إن رسول الله افترى هذا القرآن، كيف وأنتم لم تسمعوا منه قبل البعثة شعرا أو خطبا ولم يسبق أن قال شيئا مثل هذا؟ كيف يفتري مثل هذا الأسلوب المعجز، وليس عنده صنعة الكلام؟ وإن كان محمد قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون أنتم مثله وتعارضونه؟