تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني جاعل في الأرض خليفة..

[البقرة: 30]. فأول بلاغ من الله عن آدم أنه خالقه للأرض لا للجنة. والجنة، وإن كانت تطلق على دار الخلد ودار النعيم الأخروي فهي تطلق أيضا على حدائق وبساتين الدنيا، كما جاء في قول الحق سبحانه:

إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين

[القلم: 17]. وقوله:

واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب..

[الكهف: 32]. إذن: تطلق الجنة على شيء في الدنيا يضم كل ما تطلبه النفس وسموها الجنة لأنها تستر بشجرها وكثافتها من يدخل فيها، أو جنة لأنها تكفي الإنسان ولا تحوجه إلى شيء غيرها. فلا تظلموا آدم بأنه أخرجكم من الجنة لأنه لم يكن في جنة الخلد، إنما في مكان أعده الله له، وأراد أن يعطيه في هذا المكان درسا، ويدربه على القيام بمهمته في الحياة وخلافته في الأرض. أرأيت ما نفعله الآن من إقامة معسكرات للتدريب في شتى مجالات الحياة، وفيها نتكفل بمعيشة المتدرب وإقامته ورعايته. إنها أماكن معدة للتدريب على المهام المختلفة: رياضية، أو علمية، أو عسكرية.. الخ. هكذا كانت جنة آدم مكانا لتدريبه قبل أن يباشر مهمته كخليفة لله في الأرض، فأدخله الله في هذه التجربة العملية التطبيقية، وأعطاه فيها نموذجا للتكليف بالأمر والنهي، وحذره من عدوه الذي سيتربص به وبذريته من بعده، وكشف له بعض أساليبه في الإضلال والإغواء.

وهذه هي خلاصة منهج الله في الأرض، وما من رسول إلا وجاء بمثل هذا المنهج: أمر، ونهي، وتكليف، وتحذير من الشيطان ووسوسته حتى يخرجنا عن أمر الله ونهيه. وبعد هذا الكورس التدريبي في الجنة علم آدم بالتطبيق العملي أن الشيطان عدوه، وأنه سيغريه ويخدعه، ثم بعد هذه التجربة أنزله الله ليباشر مهمته في الأرض، فيكون من عدوه على ذكر وحذر. والبعض يقف طويلا عند مسألة عصيان آدم: كيف يعصي الله وهو نبي؟ ويذكرون قوله تعالى:

وعصى ءادم ربه فغوى

[طه: 121]. نقول: ما دام أن آدم - عليه السلام - هو خليفة الله في أرضه، ومنه أنسال الناس جميعا إلى أن تقوم الساعة، ومن نسله الأنبياء وغير الأنبياء، من نسله الرسل والمرسل إليهم. إذن: فهو بذاته يمثل الخلق الآتي كله بجميع أنواعه المعصومين وغير المعصومين. كما أن آدم - عليه السلام - مر بهذه التجربة قبل أن ينبأ، ومر بها بعد أن نبىء، بدليل قوله تعالى:

وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى

[طه: 121-122]. فكان الاجتباء والعصمة بعد التجريب، ثم لما أهبط آدم وعدوه إلى الأرض خاطبه ربه:

فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[البقرة: 38]. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياة آدم عليه السلام، ومثل آدم الدورين: دور العصمة والنبوة بعدما اجتباه ربه، ودور البشر العادي غير المعصوم والمعرض للنسيان وللمخالفة كأي إنسان من أناس الأرض. ينبغي - إذن - أن نفهم أن آدم خلق للأرض وعمارتها، وقد هيأها الله لآدم وذريته من بعده، وأعدها بكل مقومات الحياة ومقومات بقاء النوع، فمن أراد ترف الحياة فليعمل عقله في هذه المقومات وليستنبط منها ما يريد. لقد ذكرنا أن في الكون ملكا وملكوتا: الملك هو الظاهر الذي نراه ونشاهده، والملكوت ما خفى عنا وراء هذا الملك، ومن الملكوت أشياء تؤدي مهمتها في حياتنا دون أن نراها، فمثلا ظاهرة الجاذبية الأرضية التي تتدخل في أمور كثيرة في حياتنا، كانت في حجاب الملكوت لا نراها ولا نعرف عنها شيئا، ثم لما اهتدت إليها العقول واكتشفتها عرفنا أن هناك ما يسمى بالجاذبية. ومن الملكوت الملائكة الموكلون، كما قال تعالى:

له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..

[الرعد: 11]. ومنهم الكتبة:

ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

[ق: 18]. فلما خلق الله آدم، وخلق الملائكة الموكلين بمصالحه في الأرض أمرهم بالسجود له لأنهم سيكونون في خدمته، فالسجود طاعة لأمر الله، وخضوع للخليفة الذي سيعمر الأرض. وقوله تعالى: ﴿ إلا إبليس أبى ﴾ [طه: 116] وفي آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦١٣