20.65
تلقي: ترمي. والمراد أن يرمي واحد منهم ما أعده من سحر، فاختار موسى أن يلقوا هم أولا.
20.66
لأنهم إن ألقوا سحرهم كانت للعصا مهمة حين يلقيها موسى، فأراد أن يكون للعصا حركة بعد أن تنقلب إلى ثعبان أو حية أو جان، وإلا لو ألقى هو أولا، فماذا سيكون عملها؟ وقد ألهم الله تعالى سحرة فرعون هذا الأدب في معركتهم مع موسى، فخيروه بين أن يلقي هو، أو يلقوا هم، والله - تبارك وتعالى - يحول بين المرء وقلبه، فألهمهم ذلك مع أنهم خصومه، وأنطقهم بما يؤيد صاحب المعجزة الخالدة، فقالوا:
إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى
[طه: 65]. وقد اختار موسى - عليه السلام - أن يلقي أخيرا لأن التجربة التي مر بها في طوى مع ربه - عز وجل - لما قال له ربه:
قال ألقها يموسى
[طه: 19]. فلما ألقى موسى عصاه انقلبت إلى حية تسعى ورأى هو حركتها، لكن لم يكن بهذه التجربة شيء تلقفه العصا، فإذا ألقى موسى أولا وتحولت العصا حية أو ثعبانا، فما الفرق بينها وبين حبال السحرة التي تحولت أمامهم إلى حيات وثعابين؟ إذن: لا بد من شيء يميز عصا موسى كمعجزة عن سحر السحرة وشعوذتهم لذلك اختار موسى أن يلقي هو آخرا بإلهام من الله حتى تلقف عصاه ما يأفكون، فما يلقف لا بد أن يسبق ما يلقف. فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فرق بين عصا موسى وحبال السحرة وعصيهم، فكلها تتحرك، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما يصنعون من السحر، وتتتبع حبالهم وعصيهم، وتقفز هنا وهناك، فلها - إذن - عين تبصر، ثم تلقف سحرهم في جوفها، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ بطنها مثلا، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿ فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ﴾ [طه: 66] إذن: فحركة العصي والحبال ليست حركة حقيقية، إنما هي تخيل ﴿ يخيل إليه.. ﴾ [طه: 66] فيراها تسعى، وهي ليست كذلك. وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة:
سحروا أعين الناس..
[الأعراف: 116] فجاءوا بأعمال تخيلية خادعة بأي وسيلة كانت، فالبعض يقول مثلا: إنهم وضعوا بها الزئبق، فلما حميت عليه الشمس تمدد، فصارت الأشياء تتلوى وتتحرك، فأيا كانت وسائلهم فهي مجرد تخيلات، أما الساحر نفسه فيراها حبالا على حقيقتها، وهذا هو الفرق بين سحر السحرة، ومعجزة عصا موسى. والسحر يختلف عن الحيل التي تعتمد على خفة الحركة والألاعيب والخدع، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر الرائي، كما قال تعالى:
واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر..
[البقرة: 102]. إذن: هو فن يتعلم، يعطي التخييل بواسطة تسخير الجن، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات، فهي - إذن - ليست حيلا ولا خفة حركة، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تدرس وتتعلم.
والخالق - عز وجل - حينما يعرض علينا قضية السحر، وأنه عبارة عن تسخير الشياطين لخدمة الساحر، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرة الآخرين: الساحر بالسحر، والشياطين بما لديهم من قوة التشكل في الأشكال المختلفة والنفاذ من الحواجز لأن الجن خلقوا من النار، والنار لها شفافية تنفذ خلال الجدار مثلا. أما الإنسان فخلق من الطين، والطين له كثافة، وضربنا مثلا لنقرب هذه المسألة، قلنا: هب أنك تجلس خلف جدار، ووراء هذا الجدار تفاحة مثلا وهي من الطينية المتجمدة، أيصل إليك من التفاحة شيء؟ إنما لو خلف الجدار نار فسوف تشعر من خلال الجدار بحرارتها. هذه - إذن - خصوصيات جعلها الخالق عز وجل للشياطين فضلا عن أنهم يرونكم من حيث لا ترونهم. لكن، كان من لطف القدير بنا أن جعل لنا ما يحمينا من الشياطين، فجعل الحق - تبارك وتعالى - حين يتشكلون في الأشكال المختلفة تحكمهم هذه الأشكال، بمعنى لو أن الشيطان تشكل لك في صورة إنسان فقد حكمته هذه الصورة، فلو أطلقت عليه الرصاص في هذه اللحظة لقتلته فعلا. لذلك فالشيطان يخاف منك أكثر مما تخاف منه، ولا يظهرون لنا إلا ومضة ولمحة سريعة خوفا أن يكون الرائي له على علم بهذه المسألة فيمسك به وساعتها لن يفلت منك. وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم شيطانا وقال: