تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.75

فكأنهم كانوا يشيرون بقولهم:

إنه من يأت ربه مجرما..

[طه: 74] إلى فرعون، والآن يشيرون إلى أنفسهم، وما سلكوه من طريق الإيمان ﴿ ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات.. ﴾ [طه: 75]. فجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح لأن الإيمان هو الينبوع الوجداني الذي تصدر عنه الحركات النزوعية على وفق المنهج الذي آمنت به، وإلا فما فائدة أن تؤمن بشيء، ولا تعمل له، وكثيرا ما جمع القرآن بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وقوله: ﴿ فأولئك لهم الدرجات العلى ﴾ [طه: 75] الدرجات أي: درجات الجنة، فالجنة درجات، بعضها فوق بعض، أما النار فدركات، بعضها تحت بعض. وقد جعل الحق - تبارك وتعالى - الجنة درجات لأن أهلها متفاوتون في الأعمال، كما أنهم متفاوتون حتى في العمل الواحد لأن مناط الإخلاص في العمل متفاوت. لذلك جاء في الأثر:

" الناس على خطر إلا العالمون، والعالمون على خطر إلا العاملون، والعاملون على خطر إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم ".

والعلا: جمع عليا. فما الدرجات العلا؟

20.76

عدن: أي إقامة. من عدن في المكان: أقام فيه، فالمراد جنات أعدت لإقامتك، وفرق بين أن تعد المكان للإقامة وأن تعد مكانا لعابر، كما أن المكان يختلف إعداده وترفه حسب المعد وإمكاناته، فالإنسان العادي يعد مكانا غير الذي يعده عظيم من العظماء، فما بالك إذن بمكان أعده لك ربك - عز وجل - بقدراته وإمكاناته؟ وقوله: ﴿ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.. ﴾ [طه: 76]. نعلم أن الماء من أهم مقومات الحياة الدنيا، فبه تنبت الأرض النبات، وفيه تذوب العناصر الغذائية، وبدونه لا تقوم لنا حياة على وجه الأرض. والحق سبحانه وتعالى ساعة ينزل مطرا من السماء قد لا ينتفع بالمطر من نزل عليه المطر، فربما نزل على جبل مثلا، فالنيل الذي نحيا على مائه يأتي من أين؟ من الحبشة وغيرها. لذلك جعل الخالق - عز وجل - كلمة ﴿ تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [طه: 76] رمزا للخضرة وللنضارة وللنماء وللحياة السعيدة الهانئة، حتى الإنسان وإن لم يكن محتاجا للطعام بأن كان شبعان مثلا، يجد لذة في النظر إلى الطبيعة الخضراء، وما فيها من زرع وورود وزهور، فليس الزرع للأكل فقط، بل للنظر أيضا، وإن كنت تأكل في اليوم ثلاث مرات، والأكل غذاء للجسم، فأنت تتمتع بالمنظر الجميل وتسر به كلما نظرت إليه، والنظر متعة للروح، وسرور للنفس. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون، فتقول مثلا: لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست ملكي، لأن هناك متعة أخرى:

انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه..

[الأنعام: 99] فقبل أن تأكل انظر، فالنظر متعة، وغذاء مستمر. فقوله تعالى: ﴿ تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [طه: 76] لأن ظاهرة جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخضرة والخصب والإيناع، و ﴿ من تحتها.. ﴾ [طه: 76] أي: أن الماء ذاتي فيها، ونابع منها، ليس جاريا إليك من مكان آخر، ربما يمنع عنك أن تحرم منه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى:

تجري تحتها الأنهار..

[التوبة: 100] فتحتها أنهار جارية، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر. ونسب الجريان إلى النهر، لا إلى الماء للمبالغة. فالنهر هو المجرى الذي يجري فيه الماء. ثم يقول تعالى: ﴿ خالدين فيها.. ﴾ [طه: 76] وهذا هو التأمين الحق للنعيم لأن آفة النعم أن تزول، إما بأن تفوتها أنت أو تفوتك هي، أما نعيم الجنة فقد سلمه الله تعالى من هذه الآفة، فهو خالد باق، لا يزول ولا يزال عنه. ﴿ وذلك جزآء من تزكى ﴾ [طه: 76] الزكاة: تطلق على الطهارة وعلى النماء، فالطهارة: أن يكون الشيء في ذاته طاهرا، والنماء: أن توجد فيه خصوصية نمو فيزيد عما تراه أنت عليه.

كما ترى مثلا الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان، وفيه المائية والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو، وكلها صفات ذاتية في الوردة، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة. وهذا هو الفرق بين صنعة البشر وصنعة الخالق للبشر لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى، وصدق الله العظيم حين قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٧٥