تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20.48

فأعطاه هنا القضية النهائية: جاءنا في الوحي أن من كذب وتولى فله العذاب، ومعنى ﴿ أوحي إلينآ.. ﴾ [طه: 48] أي: من ربك. فلما سمع فرعون هذه المقولة أحب أن يدخل معهما في متاهات يشغلهم بها، ويطيل الجدل ليرتب أفكاره، وينظر ما يقول: ﴿ قال فمن ربكما... ﴾.

20.49

ووجه الخطاب إلى الرئيس الأصلي في هذه المهمة، وهو موسى عليه السلام.

20.50

معنى ﴿ أعطى كل شيء خلقه.. ﴾ [طه: 50] أي: كل ما في الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خلقه مناسبا للمهمة التي خلق لها ﴿ ثم هدى ﴾ [طه: 50] أي: دل كل شيء على القيام بمهمته ويسره لها. والحق سبحانه أعطى كل شيء خلقه الخلق يطلق، ويراد به المخلوق، فالمخلوق شيء لا بد له من مادة، لا بد أن يكون له صورة وشكل، له لون ورائحة، له عناصر ليؤدي مهمته. فإذا أراد الله سبحانه خلق شيء يقدر له كل هذه الأشياء فأمد العين كي تبصر، والأنف كي يشم، واللسان كي يتذوق، ثم هدى كل شيء إلى الأمر المراد به لتمام مهمته، بدون أي تدخل فيه من أحد. وإذا كان الإنسان، وهو المقدور للقادر الأعلى يستطيع أن يصنع مثلا القنبلة الزمنية، ويضبطها على وقت، فتؤدي مهمتها بعد ذلك تلقائيا دون اتصال الصانع بها. فالحق سبحانه خلق كل شيء وأقدره على أن يؤدي مهمته على الوجه الأكمل تأدية تلقائية غريزية، فالحيوانات التي نتهمها بالغباء، ونقول عنها: " بهائم " هي في الحقيقة ليست كذلك، وقد أعطانا الحق - سبحانه وتعالى - صورة لها في مسألة الغراب الذي بعثه الله ليعلم ولد آدم كيف يواري سوءة أخيه كما قال سبحانه:

فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين

[المائدة: 31]. فكيف صنع الغراب هذا الصنيع؟ صنعه بالغريزة التي جعلها الله فيه، ولو تأملت الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده أن يتخطى قناة مثلا، تراه ينظر إليها ويقدر مسافتها، فإن استطاع أن يتخطاها قفز دون تردد، وإن كانت فوق إمكانياته تراجع، ولم يقدم مهما ضربته أو أجبرته على تخطيها، هذه هي الغريزة الفطرية. لذلك تجد المخلوقات غير المختارة لا تخطىء لأنها محكومة بالغريزة، وليس لها عقل يدعو إلى هوى، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص، أما الإنسان فيمكن أن يغير الحقيقة، ويخفي ما تريده منه، لأن له عقلا يفاضل: قل هذه، ولا تقل هذه ، وهذا ما ميز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات. كذلك، ترى الحيوان إذا شبع يمتنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم واحد مهما حاولت، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك: أرها الألوان تريك الأركان، فلا مانع - بعد أن أكل حتى التخمة - من تذوق أصناف شتى من الحلوى والفاكهة وخلافه. وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه وتعالى أنه: ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [طه: 50].

خذ مثلا الأذن، وكيف هي محكمة التركيب مناسبة لتلقي الأصوات، ففي الأذن من الخارج تجاعيد وتعاريج تتلقى الأصوات العالية، فتخفف من حدتها حتى تصل إلى الطبلة الرقيقة هادئة، وإلا خرقتها الأصوات وأصمتها، وكذلك جعلها الله لصد الرياح حتى إذا هبت لم تجد الأذن هكذا عارية فتؤذيها. وكذلك العين، كم بها من آيات لله، فقد خلقها الله بقدر، من هذه الآيات أن حرارتها إن زادت عن 12 درجة تفسد، وأرنبة الأنف إن زادت عن 9 درجات لا تؤدي مهمتها، مع أن في الجسم عضوا حرارته 40 درجة هو الكبد، والحرارة الكلية للإنسان 37 درجة، تكون ثابتة في المناطق الباردة حيث الجليد كما هي في المناطق الحارة، لا ترتفع ولا تنخفض إلا لعلة أو آفة في الجسم. إذن: كل شيء في الوجود خلقه الله بقدر وحكمة وكيفية لأداء مهمته، كما قال في آية أخرى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٥٤