تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل أوحي إلي..

[الجن: 1] فيأخذ الرسول في تكرارها في سره ويرددها خلف جبريل عليه السلام مخافة أن ينساها لشدة حرصه على القرآن. فنهاه الله عن هذه العجلة ﴿ ولا تعجل بالقرآن.. ﴾ [طه: 114] أي: لا تتعجل، ولا تنشغل بالتكرار والترديد، فسوف يأتيك نضجها حين تكتمل، فلا تخش أن يفوتك شيء منه طالما أنني تكفلت بحفظه لذلك يقول له في موضع آخر:

سنقرئك فلا تنسى

[الأعلى: 6]. فاطمئن ولا تقلق على هذه المسألة لأن شغلك بحفظ كلمة قد يفوت عليك أخرى. والعجلة أن تخرج الحدث قبل نضجه، كأن تقطف الثمرة قبل نضجها وقبل أوانها، وعند الأكل تفاجأ بأنها لم تستو بعد، أو تتعجل قطفها وهي صغيرة لا تكفي شخصا واحدا، ولو تركتها لأوانها لكانت كافية لعدة أشخاص. والقرآن كلام في مستوى عال من البلاغة، وليس كلاما مألوفا له يسهل عليه حفظه لذلك كان حريصا على الحفظ والتثبيت. وفي آية أخرى يوضح الحق سبحانه هذه المسألة:

لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه

[القيامة: 16-18] أي: لما تكتمل الآيات فلك أن تقرأها كما تحب. وهذه الظاهرة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، نبي ينزل عليه عدة أرباع من القرآن، أو السورة كاملة، ثم حين يسرى عنه الوحي يعيدها كما أنزلت عليه، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ، واقرأ عليه لمدة عشر دقائق مثلا من أي كتاب أو أي كلام، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن يستطيع. أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يأمر الكتبة بكتابة القرآن، ثم يمليه عليهم كما سمعه، لا يغير منه حرفا واحدا، بل ويملي الآيات في موضعها من السور المختلفة فيقول:

" ضعوا هذه في سورة كذا، وهذه في سورة كذا ".

ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حد ما سهلا، إنما تنزل الآيات متفرقة، فإذا ما قرأ صلى الله عليه وسلم في الصلاة مثلا قرأ بسورة واحدة نزلت آياتها متفرقة، هذه نزلت اليوم، وهذه نزلت بالأمس، وهكذا، ومع ذلك يقرؤها مرتبة آية آية. وقوله تعالى بعدها:

ثم إن علينا بيانه

[القيامة: 19] وخاطب النبي في آية أخرى:

وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم..

[النحل: 44] فالبيان من الله تعالى والتبيين من النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى: ﴿ من قبل أن يقضى إليك وحيه.. ﴾ [طه: 114] أي: انتظر حتى يسري عنك، لكن كيف يعرف الرسول ذلك؟ كيف يعرف أن الحالة التي تعتريه عند نزول الوحي قد زالت؟ والصحابة يصفون حال النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه فيقولون: كنا نسمع حول رأسه كغطيط النحل، وكان جبينه يتفصد عرقا، ويبلغ منه الجهد مبلغا، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ برسول الله لأن الله تعالى قال:

إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا

[المزمل: 5]. إذن: هناك آيات مادية تعرض لرسول الله عند نزول الوحي لأن الوحي من ملك له طبيعته التكوينية التي تختلف وطبيعة النبي البشرية، فلكي يتم اللقاء بينهما مباشرة لا بد أن يحدث بينهما نوع من التقارب في الطبيعة فإما أن يتحول الملك من صورته الملائكية إلى صورة بشرية، أو ينتقل رسول الله من حالته البشرية إلى حالة ملائكية ارتقائية حتى يتلقى عن الملك. لذلك، كانت تحدث لرسول الله تغييرات كيماوية في طبيعته، هذه التغييرات هي التي تجعله يتصبب عرقا حتى يقول:

" " زملوني زملوني " أو " دثروني دثروني " "

لما حدث في تكوينه من تفاعل. فكان الوحي شاقا على رسول الله خاصة في أوله، فأراد الحق - سبحانه - أن يخفف عن رسوله هذه المشقة، وأن يريحه فترة من نزول الوحي ليريحه من ناحية وليشوقه للوحي من ناحية أخرى، فقال تعالى:

ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك

[الشرح: 1-3] والوزر هو الحمل الثقيل الذي كان يحمله رسول الله في نزول الوحي عليه. فلما فتر الوحي عن رسول الله شمت به الأعداء، وقالوا: إن رب محمد قد قلاه. سبحان الله، أفي الجفوة تذكرون أن لمحمد ربا؟ ألستم القائلين له: كذاب وساحر؟ والآن أصبح له رب لأنه قلاه؟ وما فهم الكفار أن فتور الوحي لحكمة عالية، أرادها رب محمد، هي أن يرتاح نفسيا من مشقة هذه التغيرات الكيماوية في تكوينه، وأن تتجدد طاقته، ويزداد شوقه للقاء جبريل من جديد، والشوق إلى الشيء يهون الصعاب في سبيله. كما يسير المحب إلى حبيبه، لا تمنعه مشاق الطريق. فرد الله على الكفار:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٠٨