لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16] هذا هو الملك الحق. ومن عظمته في التعالى أنه يريحك هو سبحانه بعمله لك، فيقول لك: نم ملء جفونك، فأنا لا تأخذني سنة ولا نوم، نم فلك رب قيوم قائم على أمرك يرعاك ويحرسك. ومن معاني ﴿ الملك الحق.. ﴾ [طه: 114] أي: الثابت الذي لا يتغير، وكل ظاهرة من ظواهر القوة في الكون تتغير إلا قوة الحق - تبارك وتعالى - لذلك يلقي سبحانه أوامره وهو واثق أنها ستنفذ لأنه سبحانه ملك حق، بيده ناصية الأمور كلها، فلو لم يكن سبحانه كذلك، فكيف يقول للشيء: كن فيكون؟ فلا يعصاه أحد، ولا يخرج عن طوعه مخلوق، فيقول له: كن فلا يكون. فالحق - تبارك وتعالى - أنزل القرآن عربيا، وصرف فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا لأنه من حقه أن يكون له ذلك لأنه ملك حق ليس له هوى فيما شرع لذلك يجب أن تقبل تشريعه، فلا يطعن في القوانين إلا أن تصدر عن هوى، فإن قنن رأسمالي أعطى الامتياز للرأسماليين، وإن قنن فقير أعطى الامتياز للفقراء، والله عز وجل لا ينحاز لأحد على حساب أحد.
وأيضا يجب في المقنن أن يكون عالما بمستجدات الأمور في المستقبل، حتى لا يستدرك أحد على قانون فيغيره كما يحدث معنا الآن، وتضطرنا الأحداث إلى تغيير القانون لأننا ساعة شرعناه غابت عنا هذه الأحداث، ولم نحتط لها لذلك لا استدراك على قانون السماء أبدا. وطالما أن الحق سبحانه وتعالى هو ﴿ الملك الحق.. ﴾ [طه: 114] فلا بد أن يضمن للخلق أن يصلهم الكتاب والمنهج كما قاله سبحانه، لا تغيير فيه لذلك قال عز وجل:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. نحن الذين سنحفظه لأن البشر جربوا في حفظ مناهج السماء، ولم يكونوا أمناء عليها، فغيروا في التوراة وفي الإنجيل وفي الكتب المقدسة، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله، وإما أن ينسوا بعضه، والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرفوه. وإن قبل منهم هذا كله فلا يقبل منهم أن يفتروا على الله فيؤلفون من عندهم، ويقولون:
هو من عند الله وما هو من عند الله..
[آل عمران: 78]. ذلك لأن الحفظ للمنهج كان موكولا للبشر تكليفا، والتكليف عرضة لأن يطاع، ولأن يعصى، كما قال تعالى:
إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله..
[المائدة: 44]. أي: طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي، فعصوه نسيانا، وكتمانا، وتحريفا، وزيادة لذلك تولى الحق - تبارك وتعالى - حفظ القرآن لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراك عليه، وضمن سبحانه للقرآن ألا يحرف بأي وجه من أوجه التحريف. فاطمئنوا إلى أن القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى في اللوح المحفوظ الذي قال عنه:
في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون
[الواقعة: 78-79]. ثم نزل به الروح الأمين، وهو مؤتمن عليه لم يتصرف فيه، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه:
ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين
[الحاقة: 44-45]. إذن: حفظ القرآن علما في اللوح المحفوظ، وحفظ في أمانة من نزل به من السماء، وحفظ في من استقبله وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فلا حجة لنا بعد أن جمع الحق - سبحانه وتعالى - للقرآن كل ألوان الحفظ. لذلك كان ولا بد حين ينزل الله القرآن على رسوله أن يقول له: ﴿ فتعلى الله الملك الحق ﴾ [طه: 114] فليست هناك حقيقة بعد هذا أبدا، وليس هناك شيء ثابت ثبوت الحق سبحانه وتعالى.
ثم يقول تعالى ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه.. ﴾ [طه: 114] وهذه مقدمات ليطمئن رسول الله على حفظ القرآن لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي، فيحاول إعادته كلمة كلمة. فإذا قال الوحي مثلا: