تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى

[الضحى: 1-5]. فنفى عن رسوله ما قاله الكفار، ثم عدل عبارتهم: إن رب محمد قد قلاه فقال:

ما ودعك ربك وما قلى

[الضحى: 3] هكذا بكاف الخطاب لأن التوديع قد يكون للحبيب. أما في قوله:

وما قلى

[الضحى: 3] فلم يأت هنا بكاف الخطاب حتى مع النفي، فلم يقل وما قلاك لأن النفي مع ضمير المخاطب يشعر بإمكانية حدوث الكره لرسول الله.

كما لو قلت: أنا لم أر شيخ الأزهر يشرب الخمر، أمدحت شيخ الأزهر بهذا القول أم ذممته؟ الحقيقة أنك ذممته لأنك جعلته مظنة أن يحدث منه ذلك. فهذا التعبير القرآني يعطي لرسول الله منزلته العالية ومكانته عند ربه عز وجل. لكن، ما الحكمة في أن الحق - تبارك وتعالى - أقسم في هذه المسألة بالضحى وبالليل إذا سجى؟ وما صلتهما بموضوع غياب الوحي عن رسول الله؟ الله عز وجل يريد بقوله:

والضحى * والليل إذا سجى

[الضحى: 12] أن يرد هؤلاء إلى ظاهرة كونية مشاهدة ومعترف بها عند الجميع، وهي أن الله خلق النهار وجعله محلا للحركة والنشاط والسعي، وخلق الليل وجعله محلا للراحة والسكون، فيرتاح الإنسان في الليل ليعاود نشاطه في الصباح من جديد. وهكذا أمر الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أجهده الوحي احتاج إلى وقت يرتاح فيه، لا لتنتهي المسألة بلا عودة، بل ليجدد نشاط النبي، ويشوقه للوحي من جديد لذلك بشره بقوله:

وللآخرة خير لك من الأولى

[الضحى: 4] أي: انتظر يا محمد، فسوف يأتيك خير كثير. فالحق سبحانه يرجعهم إلى ظواهر الكون، وإلى الطبيعة التي يعيشون عليها، فأنتم ترتاحون من عناء النهار بسكون الليل، فلماذا تنكرون على محمد أن يرتاح من عناء الوحي ومشقته؟ وهل راحتكم في سكون الليل تعني دوام الليل وعدم عودة النهار؟ وقوله تعالى: ﴿ وقل رب زدني علما ﴾ [طه: 114] هذا توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم للاستزادة من العلم، فما دمت أنت يا رب الحافظ فزدني منه، ذلك لأن رسول الله سيحتاج إلى علم تقوم عليه حركة الحياة من لدنه إلى أن تقوم الساعة، علم يشمل الأزمنة والأمكنة، فلا بد له أن يعد الإعداد اللازم لهذه المهمة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولقد عهدنآ إلى ءادم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٠٩