تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. فإذا وصلت إلى مرحلة الشيخوخة فستحتاج إلى من يأخذ بيدك ويعينك.. ربما على أدق حاجاتك وهي الطعام والشراب. إذن: فأنت تبدأ بالطفولة محتاجا إلى غيرك.. وتنتهي بالشيخوخة محتاجا إلى غيرك.. وحتى عندما تكون في شبابك قد يصيبك مرض يقعدك عن الحركة.. فإذا كانت لك ذات حقيقية فادفع هذا المرض عنك وقل: لن أمرض.. إنك لا تستطيع. الله سبحانه وتعالى أوجد هذه المتغيرات حتى ينتهي الغرور من نفس الإنسان.. ويعرف أنه قوي قادر بما أخضع الله له من قوانين الكون.. لنعلم أننا جميعا محتاجون إلى القادر، وهو الله سبحانه وتعالى، وأن الله غني بذاته عن كل خلقه.. يغير ولا يتغير.. يميت وهو دائم الوجود.. يجعل من بعد قوة ضعفا وهو القوي دائما.. ما عند الناس ينفد وما عنده تبارك وتعالى لا ينفد أبدا.. هو الله في السماوات والأرض. إذن: فليست لك ذاتية حتى تدعي أنك أخضعت الكون بقدراتك.. لأنه ليس لك قدرة أن تبقى على حال واحد وتجعله لا يتبدل ولا يتغير.. فكيف تكفر بالله تبارك وتعالى وتستر وجوده.. كل ما في الكون وما في نفسك شاهد ودليل على وجود الحق سبحانه وتعالى. قلنا: إن الكافرين صنفان: صنف كفر بالله وعندما جاء الهدى حكم عقله وعرف الحق فآمن.. والصنف الآخر مستفيد من الكفر.. ولذلك فهو متشبث به مهما جاءه من الإيمان والأدلة الإيمانية فإنه يعاند ويكفر.. لأنه يريد أن يحتفظ بسلطاته الدنيوية ونفوذه القائم على الظلم والطغيان.. ولا يقبل أن يجرد منهما ولو بالحق.. هذا الصنف هو الذي قال عنه الله تبارك وتعالى: ﴿ إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ﴾ [البقرة: 6]. فهم لم يكفروا لأن بلاغا عن الله سبحانه وتعالى لم يصلهم.. أو لأنهم لم يلفتهم رسول أو نبي إلى منهج الله.. فهؤلاء اتخذوا الكفر صناعة ومنهج حياة.. فهم مستفيدون من الكفر لأنه جعلهم سادة ولأنهم متميزون عن غيرهم بالباطل.. ولأنهم لو جاء الإيمان الذي يساوي بين الناس جميعا ويرفض الظلم، لأصبحوا أشخاصا عاديين غير مميزين في أي شيء. هذا الكافر الذي اتخذ الكفر طريقا لجاه الدنيا وزخرفها.. سواء أنذرته أو لم تنذره فإنه لن يؤمن.. إنه يريد الدنيا التي يعيش فيها، بل إن هؤلاء هم الذين يقاومون الدين ويحاربون كل من آمن.. لأنهم يعرفون أن الإيمان سيسلبهم مميزات كثيرة، ولذلك فإن عدم إيمانهم ليس لأن منهج الإيمان لم يبلغهم، أو أن أحدا لم يلفتهم إلى آيات الله في الأرض، ولكن لأن حياتهم قائمة ومبنية على الكفر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦