تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى

[الأعلى: 2-3]. اللسان مثلا جعل الله به حلمات متعددة، كل واحدة منها تتذوق طعما معينا، فواحدة للحلو، وواحدة للمر، وواحدة للحريف، وهكذا، وجميعها في هذه المساحة الضيقة متجاورة ومتلاصقة بقدر دقيق ومعجز. الأنف وما فيه من مادة مخاطية عالقة لا تسيل منك، وشعيرات دقيقة، ذلك لكي يحدث لهواء الشهيق عملية تصفية وتكييف قبل أن يصل إلى الرئتين لذلك لا ينبغي أن نقص الشعيرات التي بداخل الأنف لأن لها مهمة. عضلة القلب وما تحتويه من أذين وبطين، ومداخل للدم، ومخارج محكمة دقيقة تعمل ميكانيكيا، ولا تتوقف ولا تتعطل لمدة 140 أو 120 سنة، تعمل تلقائيا حتى وأنت نائم، فأي آلة يمكن أن تؤدي هذه المهمة؟ والحق سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى وهارون بآية دالة على صدقهما إلى فرعون كانت مهمتهما الأساسية أخذ بني إسرائيل، وإنقاذهم من طغيان فرعون، وجاءت المسألة الإيمانية تبعية، أما أصل مهمة موسى فكان:

فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم..

[طه: 47]. والحق سبحانه حين يعرض قضية الإيمان يعرضها مبدوءة بالدليل دليل البدء الذي جاء في قوله تعالى: ﴿ قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [طه: 50] لأن، فرعون الذي ادعى الألوهية لا بد أن يكون له مألوهون، وهم خلق مثله، وهو يعتز بملكه وماله من أرض مصر ونيلها وخيراتها حتى قال:

أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي..

[الزخرف: 51]. فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يرد عليه: ألك شيء في خلق هؤلاء المألوهين لك؟ وما أشبه موقف فرعون أمام هذه الحجة بموقف النمروذ أمام نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما قال له:

ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت..

[البقرة: 258]. فلم يجد النمروذ إلا الجدل والسفسطة، فلجأ إلى حيلة المفلسين، وجاء برجلين فقال: أنا أحكم على هذا بالموت وأعفو عن هذا لذلك لما أحس إبراهيم - عليه السلام - منه المراوغة والجدال نقله إلى مسألة لا يستطيع منها فكاكا.

قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين

[البقرة: 258]. إذن: فالرد إلى قضية الخلق الأول دليل لا يمكن لأحد رده، حتى فرعون ذاته لم يدع أنه خلق شيئا، إنما تجبر وتكبر وادعى الألوهية فقط على مألوه لم يخلقه، ولم يخلق نفسه، ولم يخلق الملك الذي يعتز به. ولما كان دليل الخلق الابتدائي هو الدليل المقنع، لم يكن لفرعون رد عليه لذلك لما سمع هذه المسألة ﴿ قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ [طه: 50] لم يستطع أن ينقض هذا الدليل، فأراد أن يخرج الحوار من دليل الجد إلى مسألة أخرى يهرب إليها، مسألة فرعية لا قيمة لها: ﴿ قال فما بال القرون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٥٥