تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اقرأ قوله تعالى:

أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون

[الواقعة: 63-64] فأثبت لهم عملا، واحترم مجهودهم، إنما لما حرثتم من أين لكم بالبذور؟ فإذا ما تتبعت سلسلة البذور القبلية لانتهت بك إلى نبات لا قبل له. كما لو تتبعت سلسلة الإنسان لوجدتها تنتهي إلى أب، لا أب له إلا من خلقه. وأنت بعد أن ألقيت البذرة في الأرض وسقيتها، ألك حيلة في إنباتها ونموها يوما بعد يوم؟ أأمسكت بها وجذبتها لتنمو؟ أم أنها قدرة القادر

الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى

[الأعلى: 2-3]. لذلك يقول تعالى بعدها:

لو نشآء لجعلناه حطاما..

[الواقعة: 65]، فإن كانت هذه صنعتكم فحافظوا عليها. كما حدث مع قارون حينما قال عن نعمة الله:

إنمآ أوتيته على علم..

[الزمر: 49]. فما دام الأمر كذلك فحافظ عليه يا قارون بما عندك من العلم، فلما خسف الله به وبداره الأرض دل ذلك على كذبه في مقولته. ونلحظ في قوله تعالى:

لجعلناه حطاما..

[الواقعة: 65] أنه مؤكد باللام، لماذا؟ لأن لك شبهة عمل في مسألة الزرع، قد تطمعك وتجعلك مترددا في القبول. إنما حينما تكلم عن الماء قال:

أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا..

[الواقعة: 68-70]. هكذا بدون توكيد لأنها مسألة لا يدعيها أحد لنفسه. وقوله تعالى: ﴿ أزواجا من نبات شتى ﴾ [طه: 53] لم يقل: نباتا فقط. بل أزواجا لأن الله تعالى يريد أن تتكاثر الأشياء، والتكاثر لا بد له من زوجين: ذكر وأنثى. وكما أن الإنسان يتكاثر، كذلك باقي المخلوقات لأن الحق - تبارك وتعالى - خلق الأرض وقدر فيها أقواتها، ولا بد لهذه الأقوات أن تكفي كل من يعيش على هذه الأرض. فإذا ضاقت الأرض، ولم تخرج ما يكفينا، وجاع الناس، فلنعلم أن التقصير منا نحن البشر من استصلاح الأرض وزراعتها لذلك حينما حدث عندنا ضيق في الغذاء خرجنا إلى الصحراء نستصلحها، وقد بدأت الآن تؤتي ثمارها ونرى خيرها، والآن عرفنا أننا كنا في غفلة طوال المدة السابقة، فتكاثرنا ولم نكثر ما حولنا من الرقعة الزراعية. والذكر والأنثى ليسا في النبات فحسب، بل في كل ما خلق الله:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

[يس: 36]. فالزوجية في كل شيء، علمته أو لم تعلمه، حتى في الجمادات، هناك السالب والموجب والألكترونيات والأيونات في الذرة، وهكذا كلما تكاثر البشر تكاثر العطاء.

وقوله تعالى: ﴿ من نبات شتى ﴾ [طه: 53] شتى مثل: مرضى جمع مريض فشتى جمع شتيت. يعني أشياء كثيرة مختلفة ومتفرقة، ليست في الأنواع فقط، بل في النوع الواحد هناك اختلاف. فلو ذهبت مثلا إلى سوق التمور في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجد أنواعا كثيرة، مختلفة الأشكال والطعوم والأحجام، كلها تحت مسمى واحد هو: التمر. وهكذا لو تأملت باقي الأنواع من المزروعات. ثم يذكر الحق - تبارك وتعالى - العلة في إخراج النبات: ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٥٧