فمن مصلحتنا جميعا أن نكون مهديين جميعا. هذا على معنى ﴿ ادخلوا في السلم كآفة ﴾ [البقرة: 208] أي جميعا. أما معنى قوله تعالى:
لا يضركم من ضل إذا اهتديتم
[المائدة: 105] أي لا تتحملون أوزار ضلالهم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر. أما المعنى الثاني فادخلوا في السلم بحيث لا يشذ منكم أحد. ويأخذ شيئا وبعضا من الإسلام ويترك بعضا منه، فأنت تريد أن تبني حياتك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم شرح أن للإسلام أسسا هي الأركان الخمسة، وإياك أن تأخذ ثلاثة أركان وتترك ركنين لأن هندسة الإسلام مبنية على خمسة أركان. وقد قال لي أحد المهندسين: إننا نستطيع أن ننشئ بنيانا على ثلاثة أركان أو على أربعة أو خمسة. فقلت له: ولكن حين تجعل البنيان على أربعة أركان، وتوزع الأحمال والأثقال على أربعة أسس، هل يمكنك حين تنشئ أن تجعلها ثلاثة أركان فقط؟. قال: لا. قلت: إذن فالبناء إنما ينشأ من البداية على الأسس التي تريدها، ولذلك فأنت توزع القوى على ثلاثة أو أربعة أو خمسة من البداية. والله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل أسس الإسلام خمسة، وبعد ذلك يبنى الإسلام، وحين يبنى الإسلام فإياك أن تأخذ لبنة من الإسلام دون لبنة، بل يؤخذ الإسلام كله، فالضرر الواقع في العالم الإسلامي إنما هو ناتج من التلفيقات التي تحدث في العالم المسلم. تلك التلفيقات التي تحاول أن تأخذ بعضا من الإسلام وتترك بعضا، وهذا هو السبب في التعب والضرر لأن الإسلام لابد أن يؤخذ كله مرة واحدة. إذن ﴿ ادخلوا في السلم كآفة ﴾ [البقرة: 208] يعني إياكم أن تتركوا حكما من الأحكام. إن الذي يتعب المنتسبين إلى الدين الآن أننا نريد أن نلفق حياة إسلامية في بلاد تأخذ قوانينها من بلاد غير إسلامية. إذن حتى ننجح في حياتنا، فلابد أن نأخذ الإسلام كله. وللأسف فإن كثيرا من حكام البلاد المسلمة لا يأخذون من الإسلام إلا آخر قول الله تعالى:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
[النساء: 59] إنهم يأخذون
وأولي الأمر منكم
[النساء: 59] ويتركون
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
[النساء: 59]. وأقوال: لماذا تأخذون الأخيرة وتتركون ما قبلها؟ إن الله لم يجعل لولي الأمر طاعة مستقلة بل قال:
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
[النساء: 59] ليدل على أن طاعة ولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة الرسول. فنحن لا نريد تلفيقا في الإسلام، خذوه كاملا، تستريحوا أنتم ونستريح نحن معكم. إن الحق سبحانه وتعالى يريد بدعوتنا إلى دخول الإسلام أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم فخفف ورفع عن خلقه ما يمكن أن يختلفوا فيه، وتركهم أحرارا في أن يزاولوا مهمة استنباط أسرار الله في وجوده بالعلم التجريبي كما يحبون، فإن أرادوا رقيا فليعملوا عقولهم المخلوقة لله في الكون المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله ليسعدوا أنفسهم ويدفعوها إلى الرقي، وإن انتهى أحد منهم إلى قضية كونية، واكتشف سرا من الأسرار في الكون فهو لن يقدم للناس جديدا في المنهج، وسيأخذ الناس هذا الجديد ولا يعارضونه.
إذن فمن الممكن أن يستنبط العلماء بعضا من أسرار قضايا الكون المادية بوساطة العلم التجريبي، وهي أمور سيتفق عليها الناس، ولكن البشر يمكن أن يختلفوا في الأمور النابعة من أهوائهم لأن لكل واحد هوى، وكل واحد يريد أن يتبع هواه ولا يتبع هوى الآخرين، والحق سبحانه يريد أن يعصمنا من الأهواء لذلك قال لنا: ﴿ ادخلوا في السلم كآفة ﴾ [البقرة: 208] أي ادخلوا في كل صور الإسلام، حتى لا يأتي تناقض الأهواء في المجتمع. وكن أيها المؤمن في سلم مع نفسك فلا يتناقض لسانك مع ما في قلبك، فلا تكن مؤمن اللسان كافر القلب. كن منسجما مع نفسك حتى لا تعاني من صراع الملكات. وأيضا كن داخلا في السلام مع الكون الذي تعيش فيه، مع السماء، مع الأرض، مع الحيوان، مع النبات. كن في سلم مع كل تلك المخلوقات لأنها مخلوقة مسخرة طائعة لله، فلا تشذ أنت لتغضبها وتحفظها عليك. كن منسجما مع الزمن أيضا، لأن الزمن الذي يحدث فيه منك ما يخالف منهج الله سيلعنك هو والمكان، وإذا أردت أن تشيع سلامك في الكون فعليك كما علمك الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسالم كل الكون، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يشيع السلام في الزمان والمكان، وعلى سبيل المثال كان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس صياما في شعبان، ولما سأله الصحابة عن هذا أخبرهم أن شعبان شهر يهمله الناس لأنه بين رجب، - وهو من الأشهر الحرم الأربعة - وبين رمضان، فأحب أن يحيى ذلك الشهر الذي يغفل عنه الناس، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يسعد الزمان بأن يشيع فيه لونا من العبادة فلا يجعله أقل من الأزمنة الأخرى. كذلك الأمكنة تريد أن تسعد بك، فكل الأماكن تسعد بذكر الله فيها. والحق - سبحانه - بعد أن أمرنا جميعا بالدخول في السلم بافعل ولا تفعل، حذرنا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي يعمل على إبعادنا عن منهج الله فقال جل شأنه: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ﴾ [البقرة: 208]. ولماذا لا نتبع خطوات الشيطان؟ لأن عداوته للإنسان عداوة مسبقة، وقف من آدم هذا الموقف، وبعد ذلك أقسم بعزة الله أن يغويكم جميعا، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حكى لنا القصة فكأنه أعطانا المناعة، أي أن الشيطان لم يفاجئنا.