تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم..

[الروم: 22]. إنها قدرة في الخلق لا نهاية لها، وإبداع لا مثيل له فيما يفعل البشر. وهناك ملمح آخر يجب أن نتنبه إليه، هو أن الخالق سبحانه وتعالى جعل أصحاب النقص في التكوين وأصحاب العاهات كوسائل إيضاح، وتذكر للإنسان إذا ما نسى فضل الله عليه، لأنه كما قال تعالى: ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ﴾ [العلق: 6-7]. فالإنسان كثيرا ما تطغيه النعمة، ويغفل عن المنعم سبحانه، فإذا ما رأى أصحاب الابتلاءات انتبه وتذكر نعمة الله، وربما تجد المبصر لا يشعر بنعمة البصر ولا يذكرها إلا إذا رأى أعمى يتخبط في الطريق، ساعتها فقط يذكر نعمة البصر فيقول: الحمد لله. إذن: هذه العاهات ليست لأن أصحابها أقل منا، أو أنهم أهون على الله.. لا، بل هي ابتلاء لأصحابها، ووسيلة إيضاح للآخرين لتلفتهم إلى نعمة الله. لكن الآفة في هذه المسألة أن ترى بعض أصحاب العاهات والابتلاءات لا يستر بلواه على ربه، بل يظهرها للناس، وكأنه يقول لهم: انظروا ماذا فعل الله بي، ويتخذ من عجزه وعاهته وسيلة للتكسب والترزق، بل وابتزاز أموال الناس وأخذها دون وجه حق.

وفي الحديث الشريف:

" إذا بليتم فاستتروا ".

والذي يعرض بلواه على الناس هكذا كأنه يشكو الخالق للخلق، ووالله لو ستر صاحب العاهة عاهته على ربه وقبلها منه لساق له رزقه على باب بيته. والأدهى من ذلك أن يتصنع الناس العاهات ويدعوها ويوهموا الناس بها ليوقعوهم، وليبتزوا أموالهم بسيف الضعف والحاجة. نعود إلى قصة موسى وفرعون لنستنبط منها بعض الآيات والعجائب، وأول ما يدعونا للعجب أن فرعون هو الذي ربى موسى منذ أن كان وليدا، وفي وقت كان يقتل فيه الذكور من أبناء قومه، لنعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأن إرادته سبحانه نافذة. فقد وضع محبة موسى في قلب فرعون وزوجته فقالت:

قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا..

[القصص: 9]. فأين ذهبت عداوته وبغضه للأطفال؟ ولماذا أحب هذا الطفل بالذات؟ ألم يكن من البدهي أن يطرأ على ذهن فرعون أن هذا الطفل ألقاه أهله في اليم لينجو من القتل؟ ولماذا لم تطرأ هذه الفكرة البدهية على ذهنه؟ اللهم إلا قوله تعالى:

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه..

[الأنفال: 24]. لقد طمس الله على قلب فرعون حتى لا يفعل شيئا من هذا، وحال بينه وبين قلبه ليبين للناس جهل هذا الطاغية ومدى حمقه، وأن وراء العناية والتربية للأهل والأسرة عناية المربي الأعلى سبحانه. لذلك قال الشاعر:

إذا لم تصادف من بنيك عناية

فقد كذب الراجي وخاب المؤمل

فموسى الذي رباه جبريل كافر

وموسى الذي رباه فرعون مرسل

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فأراد أن يستفزهم من الأرض... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٤١