تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يوضح لنا أننا في النوم لنا حياة خاصة وقانون خاص، لنأخذ من هذا دليلا على حياة أخرى بعد الموت. والعلماء قالوا في هذه المسألة بظاهرة المتواليات، والمراد بها: إذا كانت اليقظة لها قانون، والنوم له قانون ألطف وأخف من قانون اليقظة، فبالتالي للموت قانون أخف من قانون النوم، وللبعث قانون أخف من قانون الموت. وقد حسم القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى:

كل شيء هالك إلا وجهه..

[القصص: 88]. أي: كل ما يقال له شيء في الوجود هالك إلا الله تعالى فهو الباقي، والهلاك ضده الحياة، بدليل قوله تعالى:

ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة..

[الأنفال: 42]. إذن: لكل شيء مهما صغر في كون الله حياة خاصة تناسبه قبل أن يعتريه الهلاك. ولذلك نعجب حينما يطالعنا العلماء بأن في علبة الكبريت هذه التي نضعها في جيوبنا قوة تجاذب بين ذراتها، تصلح هذه القوة لتسيير قطار حول العالم لمدة ست سنوات، سبحان الله.. أين هذه القوة؟ إنها موجودة لكننا لا نشعر بها ولا ندركها، إنما الباحثون في معاملهم يمكنهم ملاحظة مثل هذه الحركة وتسجيلها. وأقرب من ذلك ظاهرة الجاذبية التي تعلمناها منذ الصغر والتي تعتمد على ترتيب الذرات ترتيبا معينا، ينتج عنه الموجب والسالب، فيتم التجاذب فكانوا يضعون لها برادة الحديد في أنبوبة، ويمررون عليها قضيبا ممغنطا، فنرى برادة الحديد تتحرك في نفس اتجاه القضيب. إذن: في الحديد حركة وحياة بين ذراته، حياة تناسبه بلغت من الدقة مبلغا فوق مستوى إدراكك. إذن: نستطيع القول بأن للعظام وللرفات حياة، ولك أيها المنكر وجود حتى بعد أن صرت رفاتا، فشيء منك موجود يمكن أن يكون نواة لخلقك من جديد، وبمنطق هؤلاء المنكرين أيهما أهون في الخلق: الخلق من شيء موجود، أم الخلق ابتداء؟ وقد رد عليهم الحق سبحانه بقوله:

قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ

[ق: 4]. أي: في علمه سبحانه عدد ذرات كل منا، وكم في تكوينه من مواد، لا ينقص من ذلك شيء، وهو سبحانه قادر على جمع هذه الذرات مرة أخرى، وليس أمره تعالى متوقفا على العلم فقط، بل عنده كتاب دقيق يحفظ كل التفاصيل، ولا يغيب عنه شيء. وقال تعالى كذلك في الرد عليهم:

أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد

[ق: 15] أي: في خلط وشك وتردد. وقد ناقشنا من منكري البعث الشيوعيين الذين قتلوا في أعدائهم، وأخذوا أموالهم معاقبة لهم على ما اقترفوه من ظلم الناس، فكنت أقول لهم: فما بال الذين ماتوا من هؤلاء، ولم يأخذوا حظهم من العقاب؟ وكيف يذهبون هكذا ويفلتون بجرائمهم؟ لقد كان الأولى بكم أن تؤمنوا بالآخرة التي يعاقب فيها هؤلاء الذين أفلتوا من عقاب الدنيا، حتى تتحقق عدالة الانتقام.

وقوله تعالى: ﴿ أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ﴾ [الإسراء: 98]. إنهم يستبعدون البعث من جديد لذلك فالحق سبحانه وتعالى يجاري هؤلاء ويتسامح معهم، فيقول:

وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه..

[الروم: 27]. فإعادة شيء كان موجودا أسهل وأهون من إيجاده من لا شيء، والحديث هنا عن بعث الإنسان، هذا المخلوق الذي أبدعه الخالق سبحانه، وجعله سيد هذا الكون، وجعل عمره محدودا، فما بالكم تنشغلون بإنكار بعث الإنسان عن باقي المخلوقات وهي أعظم في الخلق من الإنسان، وأطول منه عمرا، وأثبت منه وأضخم. فلا تنسى أيها الإنسان أن خلقك أهون وأسهل من مخلوقات أخرى كثيرة هي أعظم منك، ومع ذلك تراها خاضعة لله طائعة، لم تعترض يوما ولم تنكر كما أنكرت، يقول تعالى:

لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57]. فمن ينكر بعث الإنسان بعد أن يصير رفاتا عليه أن يتأمل مثلا الشمس كآية من آيات الله في الكون، وقد خلقها الله قبل خلق الإنسان، وستظل إلى ما شاء الله، وهي تعطي الضوء والدفء دون أن تتوقف أو تتعطل، ودون أن تحتاج إلى صيانة أو قطعة غيار، وهي تسير بقدرة الخالق سبحانه مسخرة لخدمتك، ما تخلفت يوما ولا اعترضت. فماذا يكون خلقك أنت أيها المنكر أمام قدرة الخالق سبحانه؟ والحق سبحانه يقول: ﴿ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٣٥