تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون

[الزخرف: 87] فهم مقتنعون بذلك، ولكنهم نقلوا الجدل إلى قضية أخرى فقالوا: من يعيدنا؟ فإن قلت لهم: الذي فطركم أول مرة. ﴿ فسينغضون إليك رؤوسهم.. ﴾ [الإسراء: 51]. معنى ينغض رأسه: يهزها من أعلى لأسفل، ومن أسفل لأعلى استهزاء وسخرية مما تقول، والمتأمل في قوله ﴿ فسينغضون ﴾ يجده فعلا سيحدث في المستقبل ويقع من مختار، والمقام مقام جدل بين الكفار وبين رسول الله، وهذه الآية يتلوها رسول الله على أسماعهم ويخبر أنه إذا قال لهم: ﴿ الذي فطركم أول مرة.. ﴾ [الإسراء: 51] فسينغضون رؤوسهم. فكان في وسع هؤلاء أن يكذبوا هذا القول، فلا ينغضون رؤوسهم لرسول الله ويمكرون به في هذه المسألة، ولهم بعد ذلك أن يعترضوا على هذا القول ويتهموه، ولكن الحق سبحانه غالب على أمره، فها هي الآية تتلى عليهم وتحت سمعهم وأبصارهم، ومع ذلك لم يقولوا، مما يدل على غباء الكفار وحمق تفكيرهم. وما أشبه هذا الموقف منهم بموقفهم من حادث تحويل القبلة حينما قال الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم:

قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها..

[البقرة: 144]. ثم أخبره بما سيحدث من الكفار، فقال:

سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..

[البقرة: 142]. وهذا قول اختياري في المستقبل، وكان بإمكانهم إذا سمعوا هذه الآية ألا يقولوا هذا القول ويجدوا بذلك مأخذا على القرآن، ولكنهم مع هذا قالوا ما حكاه القرآن لأن الحق سبحانه يعلم أنهم سيقولون لا محالة: ﴿ ويقولون متى هو.. ﴾ [الإسراء: 51]. والاستفهام هنا كسابقه للإنكار والتعجب الدال على استبعاد البعث بعد الموت، ولاحظ هنا أن السؤال عن الزمن، فقد نقلوا الجدل من إمكانية الحدث إلى ميعاد الحدث، وهذا تراجع منهم في النقاش، فقد كانوا يقولون: من يعيدنا؟ والآن يقولون: متى؟ فيأتي الجواب: ﴿ عسى أن يكون قريبا ﴾ [الإسراء: 51]. عسى: كلمة تفيد الرجاء، والرجاء أمر متوقع يختلف باختلاف الراجي والمرجو منه، فإذا قلت مثلا: عسى فلانا أن يعطيك كذا، فالرجاء هنا بعيد شيئا ما لأنه رجاء من غيري لك، أما لو قلت: عسى أن أعطيك كذا، فهي أقرب في الرجاء لأنني أتحدث عن نفسي، وثقة الإنسان في نفسه أكثر من ثقته في الآخرين، ومع ذلك قد يتغير رأيي فلا أعطيك، أو يأتي وقت الإعطاء فلا أجد ما أعطيه لك.

لكن إذا قلت: عسى الله أن يعطيك فلا شك أنها أقرب في الرجاء لأنك رجوت الله تعالى الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وإن كان القائل هو الحق سبحانه وتعالى، فالرجاء منه سبحانه محقق وواقع لا شك فيه فالرجاء من الغير للغير رتبة، ومن الإنسان لغيره رتبة، ومن الله تعالى للغير رتبة. وقد شرح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة القرب فقال:

" بعثت أنا والساعة كهاتين "

وأشار بالسبابة والوسطى لأنه ليس بعده رسول، فهو والقيامة متجاوران لا فاصل بينهما، كما أننا نقول: كل آت قريب، فالأمر الآتي مستقبلا قريب لأنه قادم لا محالة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٧٦