تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى

[طه: 66]. إذن: فحقيقة الأشياء ثابتة لا تتغير، فالساحر يرى العصا عصا، أما المسحور فيراها حية، وليست كذلك مسألة موسى - عليه السلام - وليؤكد لنا الحق سبحانه هذا المعنى، وأن ما حدث من موسى ليس من سحرهم وتغفيلهم أنه حينما قال له:

وما تلك بيمينك يموسى

[طه: 17]. فأطال موسى - عليه السلام - الكلام لأنه أحب الأنس بالكلام مع ربه تعالى فأجاب:

قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي..

[طه: 18] ثم أحس موسى أنه أطال فقال موجزا:

ولي فيها مآرب أخرى

[طه: 18]. فهذا هو مدى علمه عن العصا التي في يده، لكن الله تعالى سيجعلها غير ذلك، فقال له:

قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى

[طه: 19-20]. فهل خيل لموسى أنها حية وهي عصا؟ أم أنها انقلبت حية فعلا؟ إنها حية فعلا على وجه الحقيقة، بدليل قوله تعالى:

فأوجس في نفسه خيفة موسى

[طه: 67]. وموسى لم يخف إلا لأنه وجد العصا حية حقيقية، ثم طمأنه ربه:

قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى

[طه: 68]. لذلك لما رأى السحرة ما تفعله عصا موسى علموا أنها ليست سحرا، بل هي شيء خارج عن نطاق السحر والسحرة، وفوق قدرة موسى عليه السلام، فآمنوا برب موسى القادر وحده على إجراء مثل هذه المعجزة. وقوله تعالى: ﴿ إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ﴾ [الإسراء: 47]. أي: سحره غيره. وهذا قول الظالمين الذين يلفقون لرسول الله التهمة بعد الأخرى، وقد قالوا أيضا: ساحر. قال تعالى:

قال الكافرون إن هذا لساحر مبين

[يونس: 2]. فمرة قلتم: ساحر. ومرة قلتم: مسحور.

وهذا دليل التخبط واللجج، فإن كان ساحرا فعندكم من السحرة كثيرون، فلماذا لا يواجهونه بسحر مثل سحره؟ ولماذا لم يسحركم أنتم كما سحر غيركم وتنتهي المسألة؟ وهل يمكن أن يسحر الساحر؟ وإن كان مسحورا سحره غيره، فهل جربتم عليه في سحره كلاما مخالفا لواقع؟ هل سمعتموه يهذي كما يهذي المسحور؟ إذن: فهذا اتهام باطل وقول كاذب لا أصل له، بدليل أنكم تأبيتم عليه، ولم يصبكم منه أذى. فلما أخفقوا في هذه التهمة ذهبوا إلى ناحية أخرى فقالوا: شاعر، وبالله أمثلكم أيها العرب، يا أرباب اللغة والفصاحة والبيان - يخفى عليه أن يفرق بين الشعر والنثر؟ والقرآن وأسلوب متفرد بذاته، لا هو شعر، ولا هو نثر، ولا هو مسجوع، ولا هو مرسل، إنه نسيج وحده. لذلك نجد أهل الأدب يقسمون الكلام إلى قسمين: كلام الله وكلام البشر، فكلام البشر قسمان: شعر ونثر ويخرج كلام الله تعالى من دائرة التقسيم لأنه متفرد بذاته عن كل كلام. فلو قرأت مثلا في كتب الأدب تجد الكاتب يقول: هذا العدل محمود عواقبه، وهذه النبوة غمة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، أو تأخر غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضا أحفلها، وأثقل السحائب مشيا أحفلها، ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب، له الحمد على احتباله، ولا عتب عليه في احتفاله.

فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا

فأفعاله اللائي سررن ألوف

فلا شك أنك ستعرف انتقالك من النثر إلى الشعر، وسوف تميز أذنك بين الأسلوبين، لكن أسلوب القرآن غير ذلك، فأنت تقرأ آياته فتجدها تنساب انسيابا لا تلحظ فيه أنك انتقلت من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر، واقرأ قول الله تعالى:

نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم

[الحجر: 49]. أجر عليه ما يجريه أهل الشعر من الوزن، فسوف تجد بها وزنا شعريا: مستفعل فاعلات.... وكذلك:

وأن عذابي هو العذاب الأليم

[الحجر: 50] تعطيك الشطر الثاني من البيت، لكن هل لاحظت ذلك في سياق الآيات؟ وهل لاحظت أنك انتقلت من شعر إلى نثر، أو من نثر إلى شعر؟ إذن: فالقرآن نسيج فريد لا يقال له: شعر ولا نثر، وهذا الأمر لا يخفى على العربي الذي تمرس في اللغة شعرها ونثرها، ويستطيع تمييز الجيد من الرديء. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٦٩