رفع السماوات بغير عمد ترونها..
[الرعد: 2]. فلو قال: بغير عمد وسكت فقد نفى وجود عمد للسماء وانتهت المسألة، وأدخلناها تحت قوله تعالى:
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا..
[فاطر: 41] فالأمر قائم على قدرة الله دون وجود عمد تحمل السماء. لكن قوله سبحانه: ﴿ ترونها ﴾ تجعل المعنى صالحا لأن نقول بغير عمد، وأنتم ترونها كذلك، فننظر هنا وهناك فلا نجد للسماء عمدا تحملها، أو نقول: إن لها عمدا لكنا لا نراها، فهي عمد معنوية، فلا ينصرف ذهنك إلى ما نقيمه نحن من عمد المسلح أو الرخام أو الحديد. وفي هذا ما يدك الغرور في الإنسان، ليعلم أنه لا يدرك إلا ما أذن الله له في إدراكه، وأن حواس الإدراك لديه قد تتوقف عن هذا الإدراك، فليس معنى أنها مدركة أن تظل مدركة دائما، فليس لها طلاقة لتفعل ما تشاء، بل الحق سبحانه وتعالى يعطيها هذه القدرة، أو يسلبها إياها.
فالقدرة الإلهية هي التي تسير هذا الكون، وتأمر كل شيء بأن يؤدي مهمته في الحياة، وإن شاء عطلها عن أداء هذه المهمة لذلك نرفض قول الفلاسفة أن الحق سبحانه وتعالى زاول سلطانه في ملكه مرة واحدة، بأن جعل فيه النواميس والقوانين، وهي التي تحكم العالم وتسيره. ففي قصة موسى - عليه السلام - أنه سار بجيشه، يطارده فرعون وجنوده حتى وصل إلى شاطئ البحر فأصبح البحر من أمامه، وفرعون من خلفه حتى قال أصحاب موسى:
إنا لمدركون..
[الشعراء: 61]. فأين المفر، وها هو البحر من أمامنا، والعدو من خلفنا؟ وهذا كلام منطقي مع واقع الحدث البشري، لكن الأمر يختلف عند موسى - عليه السلام - فقال بملء فيه:
قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 62]. فهل قالها موسى برصيد بشري؟ لا، بل بما عنده من ثقة في ربه، وهكذا انتقلت المسألة إلى ساحة الخالق سبحانه، فقال لنبيه موسى:
فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم
[الشعراء: 63]. فخرق الله لموسى قانون سيولة الماء واستطراقه، ويتجمد الماء، ويصير كالجبل ويتحول البحر إلى يابسة، ويعبر موسى وقومه إلى الناحية الأخرى، وتنشرح صدورهم بفرحة النجاة، ويأخذ موسى - عليه السلام - عصاه ليضرب البحر ليعود إلى طبيعته، وحتى لا يعبره فرعون ويلحق به، لكن الحق سبحانه يأمره، أن يتركه على حاله:
واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون
[الدخان: 24]. فعندما نزل فرعون وجنوده البحر واكتمل عددهم في قاعه أطلق الخالق سبحانه للماء قانون سيولته، فأطبق على فرعون وجنوده، وكانت آية من آيات الله، شاهدة على قدرته سبحانه، وأنه إن شاء أنجى وأهلك بالشيء الواحد، وشاهدة على قيوميته تعالى على خلقه، فليس الأمر - كما يقولون - أمر قانون أو ناموس يعمل، ويدير حركة الكون، فكل المعجزات التي مرت في تاريخ البشرية جاءت من باب خرق النواميس. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا... ﴾.