تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون

[المطففين: 1-3]. ومعنى المطففين الذين يزيدون، وهؤلاء إذا اكتالوا على الناس، أي: أخذوا منهم. أخذوا حقهم وافيا، وهذا لا لوم عليه، وإنما اللوم على:

وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون

[المطففين: 3]. أي: إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم ﴿ يخسرون ﴾ أي: ينقصون. هذا هو موضع الذم ومجال اللوم في الآية لأن الإنسان لا يلام على أنه استوفى حقه، بل يلام على أنه لم يسو بينه وبين الآخرين، ولم يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به. ونلاحظ أن الكثيرين يفهمون أن التطفيف يكون في الكيل والميزان فحسب، لكنه أيضا في السعر، فالبائع الذي ينقصك الكيلو عشرين جراما مثلا فقد بخسك في الوزن، وطفف عليك في الثمن أيضا. ثم يقول تعالى: ﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم.. ﴾ [الإسراء: 35] أي: اجعلوا الوزن دقيقا مستقيما لا جور فيه. والمتأمل يجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد دقة الأحجام في تعاملات الناس أمرهم بإيفاء الكيل حقه، هكذا: { وأوفوا الكيل.

. } [الإسراء: 35]. أما في الوزن فقد ركز على دقته، وجعله بالقسطاس، ليس القسطاس فحسب بل المستقيم، إذن: لماذا هذه الدقة في الميزان بالذات؟ لو نظرت إلى عملية الكيل لوجدتها واضحة مكشوفة، قلما يستطيع الإنسان الغش فيها، وكثيرا ما ينكشف أمره ويعلم تلاعبه لأن الكيل أمام الأعين والتلاعب فيه مكشوف. أما الوزن فغير ذلك، الوزن مجال واسع للتلاعب، ولدى التجار ألف طريقة وطريقة يبخسون بها الوزن دون أن يدري بهم أحد لأن الميزان كما نعلم رافعة من النوع الأول، عبارة عن محور ارتكاز في الوسط، وكفة القوة في ناحية، وكفة المقاومة في الناحية الأخرى، فأي نقص في الذراعين يفسد الميزان، وأي تلاعب في كفة القوة أو المقاومة يفسد الميزان. ولو تحدثنا عن ألاعيب البائعين في أسواقنا لطال بنا المقام لذلك أكد الحق سبحانه وتعالى على الدقة في الميزان خاصة لأنه مجال واسع للغش والخداع وأكل أموال الناس. وسبق أن أوضحنا أن ميزان كل شيء بحسبه، ويتناسب مع قيمته ونفاسته، فالذي يزن الجير مثلا غير الذي يزن اللوز، غير الذي يزن الذهب أو الألماس لذلك من معاني القسطاس المستقيم أن يتناسب الميزان مع قيمة الموزون، فالذي يبيع الذهب مثلا يزن أشياء ثمينة مهما كانت قليلة في الميزان فإنها تساوي الكثير من المال. لذلك فإن أهل الخبرة في هذه المسألة يقولون: احذر أن يدخل البائع رأسه قريبا من الميزان لأنه قد ينفخ في كفة الميزان، ولا شك أنك ستخسر كثيرا من جراء هذه النفخة!! لذلك نقول لهؤلاء الذين أخذت أيديهم على الغش والخداع في البيع والشراء: أنت تبيع للناس شيئا واحدا وتغشهم فيها، وفي الوقت نفسه تشتري أشياء كثيرة من متطلبات الحياة، فاعلم جيدا أنك إن غششت الناس في سلعة واحدة فسوف تغش في مئات السلع، وأنت بذلك خاسر لا محالة. مهما دارت بك الأوهام والظنون فحسبت أن المسألة في صالحك. ولا تنس أن فوقك قيوما، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا تخفى عليه من أمرك خافية، وسوف يسلط عليك من يسقيك بنفس كأسك إلى أن تتبين لك حقيقة هذه الصفقة الخاسرة لأنك إن عميت على قضاء الأرض فلن تعمي على قضاء السماء، وسوف تذهب هذه الأموال التي اختلستها من أقوات الناس من حيث أتت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

" من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر ".

وكذلك في المقابل: من صدق الناس، ووفى لهم في بيعه وشرائه وتعاملاته يسر الله له من يوفي له ويصدق معه. ثم يقول تعالى: ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ [الإسراء: 35]. ﴿ ذلك ﴾ أي: الوزن بالقسطاس المستقيم خير وأحسن ﴿ تأويلا ﴾ أي: عاقبة، ومعنى ذلك أن المقابل له ليس خيرا ولا أحسن عاقبة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٢٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٢٥١