يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..
[المائدة: 90]. إذن: الحق سبحانه وتعالى نسخ آية وحكما بما هو أحسن منه. والعجيب أن نرى من علمائنا من يتعصب للقرآن، فلا يقبل القول بالنسخ فيه، كيف والقرآن نفسه يقول:
ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها..
[البقرة: 106]. قالوا: لأن هناك شيئا يسمى البداء.. ففي النسخ كأن الله تعالى أعطى حكما ثم تبين له خطؤه، فعدل عنه إلى حكم آخر. ونقول لهؤلاء: لقد جانبكم الصواب في هذا القول، فمعنى النسخ إعلان انتهاء الحكم السابق بحكم جديد أفضل منه، وبهذا المعنى يقع النسخ في القرآن الكريم. ومنهم من يقف عند قوه الحق تبارك وتعالى:
نأت بخير منها أو مثلها..
[البقرة: 106]. فيقول: ﴿ نأت بخير منها ﴾ فيها علة للتبديل، وضرورة تقتضي النسخ وهي الخيرية، فما علة التبديل في قوله: ﴿ أو مثلها ﴾؟ أولا: في قوله تعالى: ﴿ نأت بخير منها ﴾ قد يقول قائل: ولماذا لم يأت بالخيرية من البداية؟ نقول: لأن الحق سبحانه حينما قال:
يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته..
[آل عمران: 102]. وهذه منزلة عالية في التقوى، لا يقوم بها إلا الخواص من عباد الله، شقت هذه الآية على الصحابة وقالوا: ومن يستطيع ذلك يا رسول الله؟ فنزلت:
فاتقوا الله ما استطعتم..
[التغابن: 16]. وجعل الله تعالى التقوى على قدر الاستطاعة، وهكذا نسخت الآية الأولى مطلوبا، ولكنها بقيت ارتقاء، فمن أراد أن يرتقي بتقواه إلى حق تقاته فبها ونعمت، وأكثر الله من أمثاله وجزاه خيرا، ومن لم يستطع أخذ بالثانية. ولو نظرنا إلى هاتين الآيتين نظرة أخرى لوجدنا الأولى:
اتقوا الله حق تقاته..
[آل عمران: 102]. وإن كانت تدعو إلى كثير من التقوى إلا أن العاملين بها قلة، في حين أن الثانية:
فاتقوا الله ما استطعتم..
[التغابن: 16]. وإن جعلت التقوى على قدر الاستطاعة إلا أن العاملين بها كثير، ومن هنا كانت الثانية خيرا من الأولى، كما نقول: قليل دائم خير من كثير منقطع. أما في قوله تعالى: ﴿ أو مثلها ﴾ أي: أن الأولى مثل الثانية، فما وجه التغيير هنا، وما سبب التبديل؟ نقول: سببه هنا اختبار المكلف في مدى طاعته وانصياعه، إن نقل من أمر إلى مثله، حيث لا مشقة في هذا، ولا تيسير في ذاك، هل سيمتثل ويطيع، أم سيجادل ويناقش؟ مثل هذه القضية واضحة في حادث تحويل القبلة، حيث لا مشقة على الناس في الاتجاه نحو بيت المقدس، ولا تيسير عليهم في الاتجاه نحو الكعبة، الأمر اختبار للطاعة والانصياع لأمر الله، فكان من الناس من قال: سمعا وطاعة ونفذوا أمر الله فورا دون جدال، وكان منهم من اعترض وأنكر واتهم رسول الله بالكذب على الله.
ومن ذلك أيضا ما نراه في مناسك الحج مما سنه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نقبل الحجر الأسعد وهو حجر، ونرمي الجمرات وهي أيضا حجر، إذن: هذه أمور لا مجال للعقل فيها، بل هي لاختبار الطاعة والانقياد للمشرع سبحانه وتعالى. ثم يقول تعالى: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ [النحل: 101]. بل: حرف يفيد الإضراب عن الكلام السابق وتقرير كلام جديد، فالحق سبحانه وتعالى يلغي كلامهم السابق: ﴿ قالوا إنمآ أنت مفتر.. ﴾ [النحل: 101]. ويقول لهم: لا ليس بمفتر ولا كذاب، فهذا اتهام باطل، بل أكثرهم لا يعلمون. وكلمة ﴿ أكثرهم ﴾ هنا ليس بالضرورة أن تقابل بالأقل، فيمكن أن نقول: أكثرهم لا يعلمون. وأيضا: أكثرهم يعلمون كما جاء في قول الحق سبحانه:
ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب..
[الحج: 18]. هكذا بالإجماع، تسجد لله تعالى جميع المخلوقات إلا الإنسان، فمنه كثير يسجد، يقابله أيضا كثير حق عليه العذاب، فلم يقل القرآن: وقليل حق عليه العذاب. وعلى فرض أن: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ [النحل: 101]. إذن: هناك أقلية تعلم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه، وتعلم كذبهم وافتراءهم على رسول الله حينما اتهموه بالكذب، ويعلمون صدق كل آية في مكانها، وحكمة الله المرادة من هذه الآية. فمن هم هؤلاء الذين يعلمون في صفوف الكفار والمشركين؟ قالوا: لقد كان بين هؤلاء قوم أصحاب عقول راجحة، وفهم للأمور، ويعلمون وجه الحق والصواب في هذه المسألة، ولكنهم أنكروها، كما قال الحق تبارك وتعالى: