وقوله الحق: ﴿ وترى الفلك مواخر فيه.. ﴾ [النحل: 14]. والماخر هو الذي يشق حلزومه الماء، والحلزوم هو الصدر. ونجد من يصنعون المراكب يجعلون المقدمة حادة لتكون رأس الحربة التي تشق المياه بخرير. وفي هذه الآية امتن الحق سبحانه على عباده بثلاثة أمور: صيد السمك، واستخراج الحلي، وسير الفلك في البحر ثم يعطف عليهم ما يمكن أن يستجد فيقول: ﴿ ولتبتغوا من فضله.. ﴾ [النحل: 14]. وكأن البواخر وهي تشق الماء ويرى الإنسان الماء اللين، وهو يحمل الجسم الصلب للباخرة فيجد فيه متعة، فضلا عن أن هذه البواخر تحمل الإنسان من مكان إلى مكان. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ [النحل: 14]. ولا يقال ذلك إلا في سرد نعمة آثارها واضحة ملحوظة تستحق الشكر من العقل العادي والفطرة العادية، وشاء سبحانه أن يترك الشكر للبشر على تلك النعم، ولم يسخرهم شاكرين. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وألقى في الأرض... ﴾.
16.15
وهكذا يدلنا الحق سبحانه على أن الأرض قد خلقت على مراحل، ويشرح ذلك قوله سبحانه:
قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين
[فصلت: 9-10]. وهكذا علمنا أن جرم الأرض العام قد خلق أولا وهو مخلوق على هيئة الحركة ولأن الحركة هي التي تأتي بالميدان - التأرجح يمينا وشمالا - وعدم استقرار الجرم على وضع، لذلك شاء سبحانه أن يخلق في الأرض الرواسي لتجعلها تبدو ثابتة غير مقلقة والراسي هو الذي يثبت. ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الاستقرار لما خلق الله الجبال، ولكنه خلق الأرض على هيئة الحركة، ومنع أن تميد بخلق الجبال ليجعل الجبال رواسي للأرض. وفي آية أخرى يقول سبحانه:
وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب..
[النمل: 88]. وكلمة ﴿ وألقى ﴾ تدل على أن الجبال شيء متماسك وضع ليستقر. ثم يعطف سبحانه على الجبال: ﴿ وأنهارا وسبلا.. ﴾ [النحل: 15]. ولم يأت الحق سبحانه بفعل يناسب الأنهار، ومن العجيب أن الأسلوب يجمع جمادا في الجبال، وسيولة في الأنهار، وسبلا أي طرقا، وكل ذلك: ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ [النحل: 15]. أي: أن الجعل كله لعلنا نهتدي. ونعلم أن العرب كانوا يهتدون بالجبال، ويجعلون منها علامات، والمثل هو جبل " هرشا " الذي يقول فيه الشاعر:
خذوا بطن هرشا أو قفاها فإنه
كلا جانبي هرشا لهن طريق
وأيضا جبل التوباد كان يعتبر علامة. وكذلك قول الحق سبحانه:
وناديناه من جانب الطور الأيمن..
[مريم: 52]. وهكذا نجد من ضمن فوائد الجبال أنها علامات نهتدي بها إلى الطرق وإلى الأماكن، وتلك من المهام الجانبية للجبال. أو: ﴿ لعلكم تهتدون ﴾ [النحل: 15]. باتعاظكم بالأشياء المخلوقة لكم، كي تهتدوا لمن أوجدها لكم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وعلامات وبالنجم... ﴾.