تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.53

أمدنا الله سبحانه بهذه النعم رحمة منه وفضلا.. نعم تترى لا تعد ولا تحصى، ولكن لرتابة النعمة وحلولها في وقتها يتعودها الإنسان، ثم يذهل عن المنعم سبحانه. ونستطيع أن نضرب لذلك مثلا بالولد الذي تعطيه مصروفه مثلا كل أول شهر، تجده لا يحرص على أن يلقاك بعد ذلك إلا كل أول شهر، إنما إذا عودته أن يأخذ مصروفه كل يوم تراه في الصباح يحوم حولك، ويظهر لك نفسه ليذكرك بالمعلوم. إذن: رتابة النعمة قد تذهلك عن المنعم، فلا تتذكره إلا حين الحاجة إليه لذا ينبهنا الحق تبارك وتعالى: إذا أعطيت لكم نعمة فإياكم أن تغتروا بها.. إياكم أن تذهلكم النعمة عن المنعم لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا منعم غيري، بدليل أنني إذا سلبت النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: يارب يارب. فأنت ستكون شاهدا على نفسك، لن تكذب عليها، فلمن تتوجه إذا أصابك فقر؟ ولمن تتوجه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجه إلا إلى الله تقول: يا رب. ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ [النحل: 53]. فترة الضر التي تمر بالإنسان هي التي تلفته إلى الله، والحاجة هي التي تلجئه إلى المصدر الحقيقي للإمداد، فإذا كانت النعمة قد تذهله وتنسيه، فالضر يذكره بربه الذي يملك وحده كشف الضر عنه. ولذلك، فالناس أصحاب اليقين في الله تعالى ساعة أن يصيبهم ضر، يقول: ذكرتني بك يارب، يأخذها على أنها نعمة.. كأنها نجدة نجدته مما هو فيه من غفلة.. يا رب أنت ذكرتني بك.. أنا كنت ناسيا ذاهلا.. كنت في غفلة. وساعة أن يعود ويشعر بالتقصير يرفع الله عنه البلاء وذلك يرفع القضاء عن العبد إن رضي به وعلم أن فيه خيرا له. ولذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم ينبهنا لهذه الأحداث التي تصيبنا، فإياكم أن تستقبلوها بالجزع والفزع.. ولكن استقبلوها بالإيمان والرضا، واعلموا أن ربكم يغار عليكم، وهو بهذه الأحداث يلفتكم إليه قهرا عنكم لكي تعودوا إليه وتلجأوا إليه.. لكي تقولوا يارب. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة في الحديث القدسي:

" من عبادي من أحبهم فأنا أبتليهم ليقولوا يارب... ".

ويقول تعالى في الآية الأخرى:

فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا..

[الأنعام: 43]. أي: أنه سبحانه يريد منا إذا نزل بنا بلاء وبأس أن نتضرع إليه سبحانه لأن الضراعة إلى الله لفتة وتذكير به.. والنبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا إلى هذه الحقيقة، فالمصاب الحقيقي ليس من نزل به ضر أو أصابه بلاء.. لا.. بل المصاب الحقيقي من حرم الثواب. إذن: نقول لمن عنده نعمة: احذر أن تنسيك النعمة وتذهلك عن المنعم، أما صاحب البلاء والضر، فسوف يردك هذا البلاء، ويذكرك هذا الضر بالله تعالى، ولن تجد غيره تلجأ إليه. فقوله تعالى: ﴿ فإليه تجأرون ﴾ [النحل: 53]. أي: تضرعون بصراخ وصوت عال كخوار البقر، لا يسره أحد ولا يستحي منه أن يفتضح أمره أمام من تكبر عليهم.. ويا ليتكم حين ينتابكم مثل ذلك تعتبرون به وتتعظون، وتقولون في لحظة من اللحظات: سوف تلجئنا الأحداث إلى ربنا.. بل بالعكس حينما نكشف عنكم الضر سوف تعودون إلى ما كنتم عليه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ثم إذا كشف الضر... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٨٥