تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.109

فقوله تعالى: ﴿ لا جرم.. ﴾ [النحل: 109]. أي: حقا ولا بد، أولا جريمة في أن يكون هؤلاء خاسرين في الآخرة، بما اقترفوه من موجبات الخسارة، وبما أتوا به من حيثيات ترتب عليها الحكم بخسارتهم في الآخرة، فقد حق لهم وثبت لهم ذلك. والمتتبع للآيات السابقة يجد فيها هذه الحيثيات، بداية من قولهم عن رسول الله:

إنمآ أنت مفتر..

[النحل: 101]. وقولهم:

إنما يعلمه بشر..

[النحل: 103]. وعدم إيمانهم بآيات الله، وكونهم كاذبين مفترين على الله، واطمئنانهم بالكفر، وانشراح صدورهم به، واستحبابهم الحياة الدنيا على الآخرة. هذه كلها حيثيات وأسباب أوجبت لهم الخسران في الآخرة يوم تصفى الحسابات، وتنكشف الأرباح والخسائر، وكيف لا يكون عاقبته خسرانا من اقترف كل هذه الجرائم؟! ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا... ﴾.

16.110

قوله تعالى: ﴿ فتنوا.. ﴾ [النحل: 110]. أي: ابتلوا وعذبوا عذابا أليما لأنهم أسلموا. وقوله: ﴿ إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ [النحل: 110]. من رحمة الله تعالى أن يفتح باب التوبة لعبادة الذين أسرفوا على أنفسهم، ومن رحمته أيضا أن يقبل توبة من يتوب لأنه لو لم يفتح الله باب التوبة للمذنب ليئس من رحمة الله، ولتحول - وإن أذنب ولو ذنبا واحدا - إلى مجرم يشقى به المجتمع، فلم ير أمامه بارقة أمل تدعوه إلى الصلاح، ولا دافعا يدفعه إلى الإقلاع. أما إذا رأى باب ربه مفتوحا ليل نهار يقبل توبة التائب، ويغفر ذنب المسيء، كما جاء في الحديث الشريف:

" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ".

بل ويزيده ربنا سبحانه وتعالى من فضله إن أحسن التوبة، وندم على ما كان منه، بأن يبدل سيئاته حسنات، كما قال سبحانه:

إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما

[الفرقان: 70]. لو رأى المذنب ذلك كان أدعى لإصلاحه، وأجدى في انتشاله من الوهدة التي تردى فيها. إذن: تشريع التوبة من الحق سبحانه رحمة، وقبولها من المذنب رحمة أخرى لذلك قال سبحانه:

ثم تاب عليهم ليتوبوا..

[التوبة: 118]. أي: شرع لهم التوبة ودلهم عليها، ليتوبوا هم. فإن اغتر مغتر برحمة الله وفضله فقال: سأعمل سيئات كثيرة حتى يبدلها الله لي حسنات. نقول له: ومن يدريك لعله لا تنطبق عليك شروط الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهل تضمن أن يمهلك الأجل إلى أن تتوب، وأنت تعلم أن الموت يأتي بغتة؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يوم تأتي... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٦٣