16.111
قد يكون المعنى في هذه الآية على اتصال بالآية السابقة، ومتعلق بها، فيكون المراد:
إن ربك من بعدها لغفور رحيم
[النحل: 110]. يحدث هذا: ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.. ﴾ [النحل: 111]. أي: يوم القيامة. أو يكون المعنى: اذكر يا محمد: ﴿ يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها ﴾ [النحل: 111]. وهل للإنسان أكثر من نفس، فتجادل إحداهما عن الأخرى؟ الحقيقة أن للإنسان نفسا واحدة في الدنيا والآخرة، ولكنها تختلف في الدنيا عنها يوم القيامة لأن الحق سبحانه منحها في الدنيا الاختيار، وجعلها حرة في أن تفعل أو لا تفعل، فكان من النفوس: الطائعة، والعاصية، والمنصاعة، والمكابرة. فإذا ما وقفت النفس في موقف القيامة، وواجهت الحق الذي كانت تخالفه علمت أن الموقف لا تفيد فيه مكابرة، ولا حيلة لها إلا أن تجادل وتدافع عن نفسها، فكأن نفس القيامة تجادل عن نفس الدنيا في موقف ينادي فيه الحق تبارك وتعالى:
لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
[غافر: 16]. وقد حكى القرآن الكريم نماذج من جدال النفس يوم القيامة، فقال تعالى:
والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23].
والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى..
[الزمر: 3].
ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا..
[فصلت: 29]. إذن: هي نفس واحدة، تجادل عن نفسها في يوم لا تجزي فيه نفس عن نفس، فكل مشغول بكربه، محاسب بذنبه، كما قال تعالى:
يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه
[عبس: 34-37]. وقوله تعالى: ﴿ وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون ﴾ [النحل: 111]. الحق سبحانه يعطينا لقطة سريعة للحساب والجزاء يوم القيامة، فالميزان ميزان عدل وقسطاس مستقيم لا يظلم أحدا.
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
[الزلزلة: 7-8]. وقوله تعالى: ﴿ وتوفى.. ﴾ [النحل: 111]. يدل على أن الجزاء من الله يكون وافيا، لا نقص فيه ولا جور، فالجميع عبيد الله، لا يتفاضلون إلا بأعمالهم، فإن رحمهم فبفضله، وإن عذبهم فبعدله، وقد قال تعالى:
وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
[النحل: 118]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وضرب الله مثلا... ﴾.