16.89
قوله: ﴿ من أنفسهم.. ﴾ [النحل: 89]. يعني من جنسهم. والمراد: أهل الدعوة إلى الله من الدعاة والوعاظ والأئمة الذين بلغوا الناس منهج الله، هؤلاء سوف يشهدون أمام الله سبحانه على من قصر في منهج الله. وقد يكون معنى: ﴿ من أنفسهم.. ﴾ [النحل: 89]. أي: جزء من أجزائهم وعضوا من أعضائهم، كما قال تعالى:
يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
[النور: 24]. وقوله:
وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا..
[فصلت: 21]. والشهيد إذا كان من ذات الإنسان وبعض من أبعاضه فلا شك أن حجته قوية وبينته واضحة. وقوله: ﴿ وجئنا بك شهيدا على هؤلآء.. ﴾ [النحل: 89]. أي: شهيدا على أمتك كأنه صلى الله عليه وسلم شهيد على الشهداء. ﴿ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء.. ﴾ [النحل: 89]. الكتاب: القرآن الكريم.. تبيانا: أي بيانا تاما لكل ما يحتاجه الإنسان، وكلمة شيء تسمى جنس الأجناس. أي: كل ما يسمى " شيء " فبيانه في كتاب الله تعالى. فإن قال قائل: إن كان الأمر كذلك، فلماذا نطلب من العلماء أن يجتهدوا ليخرجوا لنا حكما معينا؟ نقول: القرآن جاء معجزة، وجاء منهجا في الأصول، وقد أعطى الحق تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حق التشريع، فقال تعالى:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..
[الحشر: 7]. إذن: فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا أو تقريرا ثابتة بالكتاب، وهي شارحة له وموضحة، فصلاة المغرب مثلا ثلاث ركعات، فأين هذا في كتاب الله؟ نقول في قوله تعالى:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه..
[الحشر: 7].
" وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذه القضية حينما أرسل معاذ بن جبل رضي الله عنه - قاضيا لأهل اليمن، وأراد أن يستوثق من إمكانياته في القضاء. فسأله: " بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو - أي لا أقصر في الاجتهاد. فقال صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله ".
إذن: فالاجتهاد مأخوذ من كتاب الله، وكل ما يستجد أمامنا من قضايا لا نص فيها، لا في الكتاب ولا في السنة، فقد أبيح لنا الاجتهاد فيها. ونذكر هنا أن الإمام محمد عبده - رحمه الله - حدث عنه وهو في باريس أن أحد المستشرقين قال له: أليس في آيات القرآن:
ما فرطنا في الكتاب من شيء..
[الأنعام: 38]. قال: بلى، قال له: فهات لي من القرآن: كم رغيفا يوجد في أردب القمح؟ فقال الشيخ: نسأل الخباز فعنده إجابة هذا السؤال.
. فقال المستشرق: أريد الجواب من القرآن الذي ما فرط في شيء، فقال الشيخ: هذا القرآن هو الذي علمنا فيما لا نعلم أن نسأل أهل الذكر فقال:
فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[الأنبياء: 7]. إذن: القرآن أعطاني الحجة، وأعطاني ما أستند إليه حينما لا أجد نصا في كتاب الله، فالقرآن ذكر القواعد والأصول، وأعطاني حق الاجتهاد فيما يعن لي من الفروع، وما يستجد من قضايا، وإذا وجد في القرآن حكم عام وجب أن يؤخذ في طيه ما يؤخذ منه من أحكام صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله وكله. فقال:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..
[الحشر: 7]. وكذلك الإجماع من الأمة لأن الله تعالى قال:
ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى..
[النساء: 115]. وكل اجتهاد يرد إلى أهل الاجتهاد:
ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم..
[النساء: 83]. إذن: فكل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الإجماع وعن الأئمة المجتهدين موجود في القرآن، فهو إذن صادق. ويجب هنا أن نفرق بين الأشياء والقضايا فهي كثيرة، فما الذي يتعرض له القرآن؟ يتعرض القرآن للأحكام التكليفية المطلوبة من العبد الذي آمن بالله، وهناك أمور كونية لا يتأثر انتفاع الإنسان بها بأن يعلمها، فهو ينتفع بها سواء علمها أو جهلها، فكون الأرض كروية الشكل، وكونها تدور حول الشمس، وغير هذه الأمور من الكونيات إن علمها فبها ونعمت، وإن جهلها لا يمنعه جهله من الانتفاع بها. فالأمي الذي يعيش في الريف مثلا ينتفع بالكهرباء، وهو لا يعلم شيئا عن طبيعتها وكيفية عملها، ومع ذلك ينتفع بها، مجرد أن يضع أصبعه على زر الكهرباء تضيء له. فلو أن الحق تبارك وتعالى أبان الآيات الكونية إبانة واضحة ربما صد العرب الذين لا يعرفون شيئا عن حركة الكون، وليس لديهم من الثقافة ما يفهمون به مقاصد القرآن حول الآيات الكونية ولذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، كما حكى القرآن الكريم: