تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.51

وقد جاء النهي في الآية نتيجة خروج الإنسان عن مراد ربه سبحانه، فالعجيب أن البشر والجن أيضا - يعني الثقلين - هم المختارون في الكون كله، اختيار في أشياء وقهر في أشياء أخرى.. ومع ذلك لم يشذ من خلق الله غيرهما. فالسموات والأرض والجبال كان لها اختيار، وقد اختارت التسخير، وانتهت المسألة في بداية الأمر، ومع ذلك فهي مسخرة وتؤدي مهمتها لخدمة الإنسان، فالشمس لم تعترض يوما ولم ترفض.. فهي تشرق على المؤمن كما تشرق على الكافر.. وكذلك الهواء والأرض والدابة الحلوب، وكل ما في كون الله مسخر للجميع.. إذن: كل هذه الأشياء لها مهمة، وتؤدي مهمتها على أكمل وجه. ولذلك يقول تعالى في حق هذه الأشياء:

ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب..

[الحج: 18] هكذا بالإجماع، لا يتخلف منها شيء عن مراد ربه. فما الحال في الإنسان؟ يقول تعالى:

وكثير من الناس..

[الحج: 18]. ولم يقل: والناس. ثم قال:

وكثير حق عليه العذاب..

[الحج: 18]. هذا هو الحال في الإنسان المكرم الذي اختاره الله وترك له الاختيار.. إنما كل الأجناس مؤديه واجبها لأنها أخذت حظها من الاختيار الأول، فاختارت أن تكون مسخرة، وأن تكون مقهورة. فالإنسان.. واحد يقول: لا إله في الوجود.. العالم خلق هكذا بطبيعته، وآخر يقول: بل هناك آلهة متعددة لأن العالم به مصالح كثيرة وأشياء لا ينهض بها إله واحد.. يعني: إله للسماء، وإله للأرض، وإله للشمس.. الخ. إذن: هذا رأي في العالم أشياء كثيرة بحيث لا ينهض بها في نظره إله واحد، ونقول له: أنت أخذت قدرة الإله من قدرة الفردية فيك.. لا.. خذها من قدرة من:

ليس كمثله شيء..

[الشورى: 11]. لأن القدرة الإلهية لا تعالج الأشياء كما تفعل أنت، وتحتاج إلى مجهود وعمل.. بل في حقه تعالى يتم هذا كله بكلمة كن.. كن كذا وانتهت المسألة. ونعجب من تناقض هؤلاء، واحد يقول: الكون خلق هكذا لحاله دون إله. والآخر يقول: بل له آلهة متعددة.. نقول لهم: أنتم متناقضون، فتعالوا إلى دين الله، وإلى الوسطية التي تقول بإله واحد، لا تنفي الألوهية ولا تثبت التعددية. فإن كنت تظن أن دولاب الكون يقتضي أجهزة كثيرة لإدارته، فاعلم أن الله تعالى لا يباشر تدبير أمر الكون بعلاج.. يفعل هذه ويفعل هذه، كما يزاول البشر أعمالهم، بل يفعلها ب " كن " ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي:

" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم ما سأل ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد ماجد، افعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري بشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ".

فيا من تشفق على الإله الواحد أن يتعب من إدارته للكون بشتى نواحيه، ارتفع بمستوى الألوهية عن أمثال البشر لأن الله تعالى لا يباشر سلطانه علاجا في الكون، وإنما يباشره بكلمة " كن ". إذن: إله واحد يكفي، وما دمنا سلمنا بإله واحد، فإياك أن تقول بتعدد الآلهة.. وإذا كان الحق تبارك وتعالى نفى إلهين اثنين، فنفي ما هو أكثر من ذلك أولى.. واثنان أقل صور التعدد. ومعنى ﴿ إلهين ﴾ أي: معبودين، فيكون لهما أوامر ونواه، والأوامر والنواهي تحتاج إلى طاعة، والكون يحتاج إلى تدبير، فأي الإلهين يقوم بتدبير أمور الكون؟ أم أنه يحتاج إلى مساعد؟ إن كان يحتاج إلى مساعد فهذا نقص فيه، ولا يصلح أن يكون إلها. وكذلك إن تخصص كل منهما في عمل ما، هذا لكذا وهذا لكذا، فقد أصبح أحدهما عاجزا فيما يقوم به الآخر.. وأي ناحية إذن من نواحي الحياة تكون هي المسيطرة؟ ومعلوم أن نواحي الحياة مشتركة ومتشابكة. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٨٠