فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا..
[الحشر: 2]. ويتابع الحق سبحانه، فيقول: ﴿ أو يأخذهم في... ﴾.
16.46
التقلب: الانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان، والانتقال من مكان الإقامة إلى مكان آخر دليل القوة والمقدرة، حيث ينتقل الإنسان من مكانه حاملا متاعه وعتاده وجميع ما يملك لينشىء له حركة حياة جديدة في مكانه الجديد. إذن: التقلب في الحياة مظهر من مظاهر القوة، بحيث يستطيع أن يقيم حياة جديدة، ويحفظ ماله في رحلة تقلبه.. ولا شك أن هذا مظهر من مظاهر العزة والجاه والثراء لا يقوم به إلا القوي. ولذلك نرى في قول الحق تبارك وتعالى عن أهل سبأ:
وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا..
[سبأ: 18-19]. فهؤلاء قوم جمع الله لهم ألوانا شتى من النعيم، وأمن بلادهم وأسفارهم، وجعل لهم محطات للراحة أثناء سفرهم، ولكنهم وللعجب طلبوا من الله أن يباعد بين أسفارهم، كأنهم أرادوا أن يتميزوا عن الضعفاء غير القادرين على مشقة السفر والترحال، فقالوا:
باعد بين أسفارنا..
[سبأ: 19]. حتى لا يقدر الضعفاء منهم على خوض هذه المسافات. إذن: الذي يتقلب في الأرض دليل على أن له من الحال حال إقامة وحال ظعن وقدرة على أن ينقل ما لديه ليقيم به في مكان آخر ولذلك قالوا: المال في الغربة وطن.. ومن كان قادرا يفعل ما يريد. والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:
لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد
[آل عمران: 196]. فلا يخيفنك انتقالهم بين رحلتي الشتاء والصيف، فالله تعالى قادر أن يأخذهم في تقلبهم. وقد يراد تقلبهم في الأفكار والمكر السيء بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كما في قوله تعالى:
لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور..
[التوبة: 48]. فقد قعدوا يخططون ويمكرون ويدبرون للقضاء على الدعوة في مهدها. ويقول تعالى: ﴿ فما هم بمعجزين ﴾ [النحل: 46]. المعجز: هو الذي لا يمكنك من أن تغلبه، وهؤلاء لن يعجزوا الله تعالى، ولن يستطيعوا الإفلات من عذابه لأنهم مهما بيتوا فتبييتهم وكيدهم عند الله.. أما كيد الله إذا أراد أن يكيد لهم فلن يشعروا به:
ويمكرون ويمكر الله..
[الأنفال: 30]. وقال:
إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا
[الطارق: 15-17]. فمن لا يستطيع أن يغلبك يخضع لك، وما دام يخضع لك يسيطر عليه المنهج الذي جئت به. وقد يكون العجز أمام القوى دليل قوة، كما عجز العرب أمام تحدي القرآن لهم، فكان عجزهم أمام كتاب الله دليل قوتهم في المجال الذي تحداهم القرآن فيه لأن الله تعالى حين يتحدى وحين ينازل لا ينازل الضعيف، لا بل ينازل القوي في مجال هذا التحدي.