تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.35

نلاحظ أنه ساعة أن يأتي الفعل نصا في مطلوبه لا يذكر المتعلق به.. فلم يقل: أشركوا بالله.. لأن ذلك معلوم، والإشراك معناه الإشراك بالله، لذلك قال تعالى هنا: ﴿ وقال الذين أشركوا.. ﴾ [النحل: 35]. ثم يورد الحق سبحانه قولهم: ﴿ لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء.. ﴾ [النحل: 35]. إنهم هنا يدافعون عن أنفسهم، وهذه هي الشماعة التي يعلق عليها الكفار خطاياهم - شماعة أن الله كتب علينا وقضى بكذا وكذا. فيقول المسرف على نفسه: ربنا هو الذي أراد لي كذا، وهو الذي يهدي، وهو الذي يضل، وهو الذي جعلني ارتكب الذنوب، إلى آخر هذه المقولات الفارغة من الحق - والنهاية فلماذا يعذبني إذن؟ وتعالوا نناقش صاحب هذه المقولات، لأن عنده تناقضا عقليا، والقضية غير واضحة أمامه.. ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له: ولماذا لم تقل: إذا كان الله قد أراد لي الطاعة وكتبها علي، فلماذا يثيبني عليها.. هكذا المقابل.. فلماذا قلت بالأولى ولم تقل بالثانية؟! واضح أن الأولى تجر عليك الشر والعذاب، فوقفت في عقلك.. أما الثانية فتجر عليك الخير، لذلك تغاضيت عن ذكرها. ونقول له: هل أنت حينما تعمل أعمالك.. هل كلها خير؟ أم هل كلها شر؟ أما منها ما هو خير، ومنها ما هو شر؟ والإجابة هنا واضحة. إذن: لا أنت مطبوع على الخير دائما، ولا أنت مطبوع على الشر دائما، لذلك فأنت صالح للخير، كما أنت صالح للشر. إذن: هناك فرق بين أن يخلقك صالحا للفعل وضده، وبين أن يخلقك مقصورا على الفعل لا ضده، ولما خلقك صالحا للخير وصالحا للشر أوضح لك منهجه وبين لك الجزاء، فقال: اعمل الخير.. والجزاء كذا، واعمل الشر.. والجزاء كذا.. وهذا هو المنهج. ويحلو للمسرف على نفسه أن يقول: إن الله كتبه علي.. وهذا عجيب، وكأني به قد اطلع على اللوح المحفوظ ونظر فيه ، فوجد أن الله كتب عليه أن يشرب الخمر مثلا فراح فشربها لأن الله كتبها عليه. ولو أن الأمر هكذا لكنت طائعا بشربك هذا، لكن الأمر خلاف ما تتصور، فأنت لا تعرف أنها كتبت عليك إلا بعد أن فعلت، والفعل منك مسبوق بالعزم على أن تفعل، فهل اطلعت على اللوح المحفوظ كي تعرف ما كتبه الله عليك؟ وانتبه هنا واعلم أن الله تعالى كتب أزلا لأنه علم أنك تفعل أجلا، وعلم الله مطلق لا حدود له. ونضرب مثلا - ولله المثل الأعلى - الوالد الذي يلاحظ ولده في دراسته، فيجده مهملا غير مجد فيتوقع فشله في الامتحان.

. هل دخل الوالد مع ولده وجعله يكتب خطأ؟ لا.. بل توقع له الفشل لعلمه بحال ولده، وعدم استحقاقه للنجاح. إذن: كتب الله مسبقا وأزلا لأنه يعلم ما يفعله العبد أصلا.. وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى صورة أخرى لهذا المنهج حينما وجه المؤمنين إلى الكعبة بعد أن كانت وجهتهم إلى بيت المقدس، فقال تعالى:

قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره..

[البقرة: 144]. ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها..

[البقرة: 142]. جاء الفعل هكذا في المستقبل: سيقول.. إنهم لم يقولوا بعد هذا القول، وهذا قرآن يتلى على مسامع الجميع غير خاف على أحد من هؤلاء السفهاء، فلو كان عند هؤلاء عقل لسكتوا ولم يبادروا بهذه المقولة، ويفوتوا الفرصة بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صدق القرآن الكريم. كان باستطاعتهم أن يسكتوا ويوجهوا للقرآن تهمة الكذب، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. وبذلك تمت إرادة الله وأمره حتى على الكافرين الذين يبحثون عن مناقضة في القرآن الكريم. وهذه الآية: ﴿ وقال الذين أشركوا.. ﴾ [النحل: 35]. تشرح وتفسر قول الله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٥٥