تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.30

وقد سبق أن تحدثنا عن قوله تعالى:

وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين

[النحل: 24]. فهذه مشاهدة ولقطات تبين الموقف الذي انتهى بأن أقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. وهذه الآيات نزلت في جماعة كانوا داخلين مكة.. وعلى أبوابها التي يأتي منها أهل البوادي، وقد قسم الكافرون أنفسهم على مداخل مكة ليصدوا الداخلين إليها عن سماع خبر أهل الإيمان بالنبي الجديد. وكان أهل الإيمان من المسلمين يتحينون الفرصة ويخرجون على مشارف مكة بحجة رعي الغنم مثلا ليقابلوا هؤلاء السائلين ليخبروهم خبر النبي صلى الله عليه وسلم وخبر دعوته. مما يدل على أن الذي يسأل عن شيء لا يكتفي بأول عابر يسأله، بل يجدد السؤال ليقف على المتناقضات.. فحين سألوا الكافرين قالوا:

قالوا أساطير الأولين

[النحل: 24]. فلم يكتفوا بذلك، بل سألوا أهل الإيمان فكان جوابهم: ﴿ قالوا خيرا.. ﴾ [النحل: 30]. هذا لنفهم أن الإنسان إذا صادف شيئا له وجهتان متضادتان فلا يكتفي بوجهة واحدة، بل يجب أن يستمع للثانية، ثم بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل. إذن: حينما سأل الداخلون مكة أهل الكفر:

ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين

[النحل: 24]. وحينما سألوا أهل الإيمان والتقوى: ﴿ ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا.. ﴾ [النحل: 30]. ونلاحظ هنا في ﴿ وقيل للذين اتقوا ﴾ [النحل: 30]. أن الحق سبحانه لم يوضح لنا من هم، ولم يبين هويتهم، وهذا يدلنا على أنهم كانوا غير قادرين على المواجهة، ويدارون أنفسهم لأنهم ما زالوا ضعافا لا يقدرون على المواجهة. وقد تكرر هذا الموقف - موقف السؤال إلى أن تصل إلى الوجهة الصواب - حينما عتب الحق تبارك وتعالى على نبي من أنبيائه هو سيدنا داود - عليه السلام - في قوله تعالى:

وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط * إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب

[ص: 21-23]. فماذا قال داود عليه السلام؟

قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه..

[ص: 24]. وواضح في حكم داود عليه السلام تأثره بقوله له تسع وتسعون ولنفرض أنه لم يكن عنده شيء، ألم يظلم أخاه بأخذ نعجته؟! إذن: تأثر داود بدعوى الخصم، وأدخل فيه حيثية أخرى، وهذا خطأ إجرائي في عرض القضية لأن تسع وتسعون هذه لا دخل لها في القضية.. بل هي لاستمالة القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه، ولبيان أن الخصم غني ومع ذلك فهو طماع ظالم. وسرعان ما اكتشف داود - عليه السلام - خطأه في هذه الحكومة، وأنها كانت فتنة واختبارا من الله:

وظن داوود أنما فتناه..

[ص: 24]. أي: اختبرناه كي نعلمه الدرس تطبيقا.. أيحكم بالحق ويراعي جميع نواحي القضية أم لا؟ وانظر هنا إلى فطنة النبوة، فسرعان ما عرف داود ما وقع فيه واعترف به، واستغفر ربه وخر له راكعا منيبا. قال تعالى:

فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب

[ص: 24]. إذن: الشاهد هنا أنه كان على داود - عليه السلام - أن يستمع إلى الجانب الآخر والطرف الثاني في الخصومة قبل الحكم فيها. وقوله تعالى: ﴿ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا.. ﴾ [النحل: 30]. ما هو الخير؟ الخير كل ما تستطيبه النفس بكل ملكاتها.. لكن الاستطابة قد تكون موقوتة بزمن، ثم تورث حسرة وندامة.. إذن: هذا ليس خيرا لأنه لا خير في خير بعده النار، وكذلك لا شر في شر بعده الجنة. إذن: يجب أن نعرف أن الخير يظل خيرا دائما في الدنيا، وكذلك في الآخرة، فلو أخذنا مثلا متعاطي المخدرات نجده يأخذ متعة وقتية ونشوة زائفة سرعان ما تزول، ثم سرعان ما ينقلب هذا الخير في نظره إلى شر عاجل في الدنيا وآجل في الآخرة. إذن: انظر إلى عمر الخير في نفسك وكيفيته وعاقبته.. وهذا هو الخير في قوله تعالى: ﴿ قالوا خيرا.. ﴾ [النحل: 30]. إذن: هو خير تستطيبه النفس، ويظل خيرا في الدنيا، ويترتب عليه خير في الآخرة، أو هو موصول بخير الآخرة.. ثم فسره الحق تبارك وتعالى في قوله سبحانه: ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير.. ﴾ [النحل: 30]. ونفهم من هذه الآية أنه على المؤمن ألا يترك الدنيا وأسبابها، فربما أخذها منك الكافر وتغلب عليك بها، أو يفتنك في دينك بسببها، فمن يعبد الله أولى بسره في الوجود، وأسرار الله في الوجود هي للمؤمنين، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الأخذ بأسباب الدنيا للكافرين. اجتهد أنت أيها المؤمن في أسباب الدنيا حتى تأمن الفتنة من الكافرين في دنياك.. ولا يخفى ما نحن فيه الآن من حاجتنا لغيرنا، مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا ومقدراتنا. لذلك يقول سبحانه: ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة.. ﴾ [النحل: 30]. أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم اليد العليا بما اجتهدوا، وبما عملوا في دنياهم، وبذلك ينفع الإنسان نفسه وينفع غيره، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا، وكان ثوابك وخيرك موصولا بخير الآخرة. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٤٨