تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.34

أي: أنهم لما ظلموا أنفسهم أصابهم جزاء ذلك، وسمي ما يفعل بهم سيئة لأن الحق تبارك وتعالى يسمي جزاء السيئة سيئة في قوله:

وجزآء سيئة سيئة مثلها..

[الشورى: 40]. ويقول تعالى:

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..

[النحل: 126]. وهذه تسمى المشاكلة، أي: أن هذه من جنس هذه. وقوله تعالى: ﴿ ما عملوا ﴾ العمل هو مزاولة أي جارحة من الإنسان لمهمتها، فكل جارحة لها مهمة. الرجل واليد والعين والأذن.. الخ. فاللسان مهمته أن يقول، وبقية الجوارح مهمتها أن تفعل. إذن: فاللسان وحده أخذ النصف، وباقي الجوارح أخذت النصف الآخر ذلك لأن حصائد الألسنة عليها المعول الأساسي. فكلمة الشهادة: لا إله إلا الله لا بد من النطق بها لنعرف أنه مؤمن، ثم يأتي دور الفعل ليساند هذا القول لذا قال تعالى:

يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون

[الصف: 2-3]. وبالقول تبلغ المناهج للآذان.. فكيف تعمل الجوارح دون منهج؟ ولذلك فقد جعل الحق تبارك وتعالى للأذن وضعا خاصا بين باقي الحواس، فهي أول جارحة في الإنسان تؤدي عملها، وهي الجارحة التي لا تنقضي مهمتها أبدا.. كل الجوارح لا تعمل مثلا أثناء النوم إلا الأذن، وبها يتم الاستدعاء والاستيقاظ من النوم. وإذا استقرأت آيات القرآن الكريم، ونظرت في آيات الخلق ترى الحق تبارك وتعالى يقول:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. ثم هي آلة الشهادة يوم القيامة:

حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم..

[فصلت: 20]. ولذلك يقول الحق سبحانه:

فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا

[الكهف: 11]. ومعنى: ضربنا على آذانهم، أي: عطلنا الأذن التي لا تعطل حتى يطمئن نومهم ويستطيعوا الاستقرار في كهفهم، فلو لم يجعل الله تعالى في تكوينهم الخارجي شيئا معينا لما استقر لهم نوم طوال 309 أعوام. ويقول الحق تعالى: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ [النحل: 34]. بماذا استهزأ الكافرون؟ استهزأوا بالبعث والحساب وما ينتظرهم من العذاب، فقالوا كما حكى القرآن:

أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون

[الصافات: 16-17]. وقالوا:

أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد..

[السجدة: 10]. ثم بلغ بهم الاستهزاء أن تعجلوا العذاب فقالوا:

فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين

[الأعراف: 70]. وقالوا:

أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا..

[الإسراء: 92]. وهل يطلب أحد من عدوه أن ينزل به العذاب إلا إذا كان مستهزئا؟ فقال لهم الحق تبارك وتعالى: إنكم لن تقدروا على هذا العذاب الذي تستهزئون به. فقال: ﴿ وحاق بهم.. ﴾ [النحل: 34]. أي: أحاط ونزل بهم، فلا يستطيعون منه فرارا، ولا يجدون معه منفذا للفكاك، كما في قوله تعالى:

والله من ورآئهم محيط

[البروج: 20]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وقال الذين أشركوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٥٤