16.39
فمعنى قوله تعالى: ﴿ ليبين لهم الذي يختلفون فيه.. ﴾ [النحل: 39]. أي: من أمر البعث لأن القضية لا تستقيم بدون البعث والجزاء ولذلك كنت في جدالي للشيوعيين أقول لهم: لقد أدركتم رأسماليين شرسين ومفترين، شربوا دم الناس وعملوا كذا وكذا.. فماذا فعلتم بهم؟ يقولون: فعلنا بهم كيت وكيت، فقلت: ومن قبل وجود الشيوعية سنة 1917، ألم يكن هناك ظلمة مثل هؤلاء؟ قالوا: بلى. قلت: إذن من مصلحتكم أن يوجد بعث وحساب وعقاب لا يفلت منه هؤلاء الذين سبقوكم، ولم تستطيعوا تعذيبهم. ثم يأتي فصل الخطاب في قوله تعالى: ﴿ وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ﴾ [النحل: 39]. أي: كاذبين في قولهم:
لا يبعث الله من يموت..
[النحل: 38]. وذلك علم يقين ومعاينة، ولكن بعد فوات الأوان، فالوقت وقت حساب وجزاء لا ينفع فيه الاعتراف ولا يجدي التصديق، فالآن يعترفون بأنهم كانوا كاذبين في قسمهم: لا يبعث الله من يموت وبالغوا في الأيمان وأكدوها ولذلك يقول تعالى عنهم في آية أخرى:
وكانوا يصرون على الحنث العظيم
[الواقعة: 46]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنما قولنا لشيء... ﴾.
16.40
إذن: أمر البعث ليس علاجا لجزئيات كل شخص وضم أجزائه وتسويته من آدم حتى قيام الساعة، بل المسألة منضبطة تماما مع الأمر الإلهي كن. وبمجرد صدوره، ودون حاجة لوقت ومزاولة يكون الجميع ماثلا طائعا، كل واحد منتظر دوره، منتظر الإشارة ولذلك جاء في الخبر: " أمور يبديها ولا يبتديها ". فالأمر يتوقف على الإذن: اظهر يظهر. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - من يعد القنبلة الزمنية مثلا، ويضبطها على وقت معين.. تظل القنبلة هذه إلى وقت الانفجار الذي وضع فيها، ثم تنفجر دون تدخل من صانعها.. مجرد الإذن لها بالانفجار تنفجر. وحتى كلمة كن نفسها تحتاج لزمن، ولكن ليس هناك أقرب منها في الإذن.. وإن كان الأمر في حقه تعالى لا يحتاج إلى كن ولا غيره. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ والذين هاجروا في الله... ﴾.