16.42
الحق تبارك وتعالى يريد أن يعطينا تشريحا لحال المهاجرين، فقد ظلموا واضطهدوا وأوذوا في سبيل الله، ولم يفتنهم هذا كله عن دينهم، بل صبروا وتحملوا، بل خرجوا من أموالهم وأولادهم، وتركوا بلدهم وأرضهم في سبيل دينهم وعقيدتهم، حدث هذا منهم اتكالا على أن الله تعالى لن يضيعهم. ولذلك جاء التعبير القرآني هكذا ﴿ صبروا ﴾ بصيغة الماضي، فقد حدث منهم الصبر فعلا، كأن الإيذاء الذي صبروا عليه فترة مضت وانتهت، والباقي لهم عزة ومنعة وقوة لا يستطيع أحد أن يضطهدهم بعد ذلك، وهذه من البشارات في الأداء القرآني. أما في التوكل، فقال تعالى في حقهم: ﴿ وعلى ربهم يتوكلون ﴾ [النحل: 42]. بصيغة المضارع لأن التوكل على الله حدث منهم في الماضي، ومستمرون فيه في الحاضر والمستقبل، وهكذا يكون حال المؤمن. وبعد ذلك تكلم القرآن الكريم عن قضية وقف منها الكافرون أيضا موقف العناد والمكابرة والتكذيب، وهي مسألة إرسال الرسل، فقال تعالى: ﴿ ومآ أرسلنا من قبلك... ﴾.
16.43
وقد اعترض المعاندون من الكفار على كون الرسول بشرا. وقالوا: إذا أراد الله أن يرسل رسولا فينبغي أن يكون ملكا فقالوا:
ولو شآء الله لأنزل ملائكة..
[المؤمنون: 24]. وكأنهم استقلوا الرسالة عن طريق بشر، وهذا أيضا من غباء الكفر وحماقة الكافرين لأن الرسول حين يبلغ رسالة الله تقع على عاتقه مسئوليتان: مسئولية البلاغ بالعلم، ومسئولية التطبيق بالعمل ونموذجية السلوك.. فيأمر بالصلاة ويصلي، وبالزكاة ويزكي، وبالصبر ويصبر، فليس البلاغ بالقول فقط، لا بل بالسلوك العملي النموذجي. ولذلك كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" كان خلقه القرآن ".
وكان قرآنا يمشي على الأرض، والمعنى: كان تطبيقا كاملا للمنهج الذي جاء به من الحق تبارك وتعالى. ويقول تعالى في حقه صلى الله عليه وسلم:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة..
[الأحزاب: 21]. فكيف نتصور أن يكون الرسول ملكا؟ وكيف يقوم بهذه الرسالة بين البشر؟ قد يؤدي الملك مهمة البلاغ، ولكن كيف يؤدي مهمة القدوة والتطبيق العملي النموذجي؟ كيف ونحن نعلم أن الملائكة خلق جبلوا على طاعة الله:
لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
[التحريم: 6]. ومن أين تأتيه منافذ الشهوة وهو لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل؟ فلو جاء ملك برسالة السماء، وأراد أن ينهى قومه عن إحدى المعاصي، ماذا نتوقع؟ نتوقع أن يقول قائلهم: لا.. لا أستطيع ذلك، فأنت ملك ذو طبيعة علوية تستطيع ترك هذا الفعل، أما أنا فلا أستطيع. إذن: طبيعة الأسوة تقتضي أن يكون الرسول بشرا، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتمرين، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين. ومن هنا كان من امتنان الله على العرب، ومن فضله عليهم أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم..
[التوبة: 128]. فهو أولا من أنفسكم، وهذه تعطيه المباشرة، ثم هو بشر، ومن العرب وليس من أمة أعجمية.. بل من بيئتكم، ومن نفس بلدكم مكة ومن قريش ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه، تعرفون حركاته وسكناته، وقد كنتم تعترفون له بالصدق والأمانة، وتأتمنونه على كل غال ونفيس لديكم لعلمكم بأمانته، فكيف تكفرون به الآن وتتهمونه بالكذب؟! لذلك رد عليهم الحق تبارك وتعالى في آية أخرى فقال:
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا
[الإسراء: 94]. فالذي صدكم عن الإيمان به كونه بشرا!! ثم نأخذ على هؤلاء مأخذا آخر لأنهم تنازلوا عن دعواهم هذه بأن يأتي الرسول من الملائكة وقالوا:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31].
فهذا تردد عجيب من الكفار، وعدم ثبات على رأي.. مجرد لجاجة وإنكار، وقديما قالوا: إن كنت كذوبا فكن ذكورا. ويرد عليهم القرآن: