تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.6

وهنا نجد أن الحق سبحانه قد أعطانا الترف أيضا بجانب الضروريات، فالدفء والمنافع والأكل ضروريات للحياة، أما الجمال فهو من ترف الحياة، والجمال هو ما تراه العين، فيتحقق السرور في النفس. والدفء والمنافع والأكل هي أمور خاصة لمن يملك الأنعام أما الجمال فمشاع عام للناس، فحين ترى حصانا جميلا أو البقرة المزهوة بالصحة فأنت ترى نعمة الله التي خلقها لتسر الناظر إليها. ونلحظ هذا الجمال في لحظات سروح البهائم ولحظات رواحها. ونقول في الريف " سرحت البهائم " أي: خرجت من الحظائر لترعى وتأكل. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قدم الرواح أي العودة إلى الحظائر عن السروح لأن البهائم حين تعود إلى حظائرها بعد أن ترعى تكون بطونها ممتلئة وضروعها رابية حافلة باللبن فيسعد من يراها حتى قبل أن يطعم من ألبانها. ومن يخرج ببهائمه في الصباح من بيته، ويصحبها من زرائبها إلى الحقل، يجد جمالا مع هيبة ومنعة مع أصوات تحقق للرجل المالك الهيبة، ومن لا يملك يمكن أن يشاهد جمال تلك الأنعام. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ وتحمل أثقالكم إلى... ﴾.

16.7

ونعلم أن الإنسان في حياته بين أمرين إما ظاعن أي: مسافر. وإما مقيم. وفي حالة المقيم، فالأنعام تحقق له الدفء والطعام والملبس. وعادة ما يكتفي متوسط الحال بأن يستقر في مكان إقامته وكذلك الفقير. أما المقتدر الغني فأنت تجده يوما في القاهرة، وآخر في الإسكندرية، أو طنطا، وقد يسافر إلى الخارج، وكل ذلك ميسور في زمن المواصلات الحديثة. وقديما كانت وسائل المواصلات شاقة، ولا يقدر على السفر إلا من كانت لديه إبل صحيحة أو خيول قوية، أما من لم يكن يملك إلا حمارا أعجف فهو لا يفكر إلا في المسافات القصيرة. ولذلك نجد القرآن حين تكلم عن أهل سبأ يقول:

فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم..

[سبأ: 19]. وهم قد قالوا ذلك اعتزازا بما يملكونه من خيل ووسائل سفر من دواب سليمة وقوية، تهيئ السفر المريح الذي ينم عن العز والقوة والثراء. وقوله الحق: ﴿ وتحمل أثقالكم.. ﴾ [النحل: 7]. يعني وضع ما يثقل على ما يثقل ولذلك فنحن لا نجد إنسانا يحمل دابته بل نجد من يحمل أثقاله على الدابة ليخفف عن نفسه حمل أوزان لا يقدر عليها. ونعلم أن الوزن يتبع الكثافة كما أن الحجم يتبع المساحة فحين تنظر إلى كيلو جرام من الحديد وكيلو جرام من القطن، فأنت تجد أن حجم كيلو جرام القطن أكبر من حجم كيلو جرام الحديد لأن كثافة الحديد مطمورة فيه، أما نفاشات القطن فهي التي تجعله يحتاج حيزا أكبر من المساحة. ويتابع الحق سبحانه قوله في الآية الكريمة: ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.. ﴾ [النحل: 7]. ومن يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول: " إن عجز الآية غير متفق مع صدرها ". ونقول لمثل صاحب هذا القول: أنت لم تفطن إلى المنة التي يمتن بها الله على خلقه، فهم لم يكونوا بالغين لهذا البلد دون أثقال إلا بمشقة فما بالنا بثقل المشقة حين تكون معهم أثقال من بضائع ومتاع؟ إنها نعمة كبيرة أن يجدوا ما يحملون عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون. وكلمة ﴿ بشق ﴾ [النحل] مصدرها شق وهو الصدع بين شيئين ويعني عزل متصلين وسبحانه هو القائل:

فاصدع بما تؤمر..

[الحجر: 94]. وهناك " شق " وهو الجهد، و " شقة ". والإنسان كما نعلم هو بين ثلاث حالات: إما نائم لذلك لا يحتاج إلى طاقة كبيرة تحفظ له حياته وأيضا وهو متيقظ فأجهزته لا تحتاج إلى طاقة كبيرة بل تحتاج إلى طاقة متوسطة لتعمل أما إن كان يحمل أشياء ثقيلة فالإنسان يحتاج إلى طاقة أكبر لتعمل أجهزته.

وكذلك نجد الحق سبحانه يقول:

لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٢٦