تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم

[الإسراء: 44]. وفي آية أخرى يقول:

ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صآفات كل قد علم صلاته وتسبيحه..

[النور: 41]. إذن: لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي: الإنس والجن، كما هدى كل الكائنات الأخرى، ولكنه يريد قلوبا لا قوالب. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ هو الذي أنزل... ﴾.

16.10

وقوله: ﴿ أنزل من السماء مآء.. ﴾ [النحل: 10]. يبدو قولا بسيطا ولكن إن نظرنا إلى المعامل التي تقطر المياه وتخلصها من الشوائب لعلمنا قدر العمل المبذول لنزول الماء الصافي من المطر. والسماء - كما نعلم - هي كل ما يعلونا، ونحن نرى السحاب الذي يجيء نتيجة تبخير الشمس للمياه من المحيطات والبحار، فيتكون البخار الذي يتصاعد، ثم يتكثف ليصير مطرا من بعد ذلك وينزل المطر على الأرض. ونعلم أن الكرة الأرضية مكونة من محيطات وبحار تغطي ثلاثة أرباع مساحتها، بينما تبلغ مساحة اليابسة ربع الكرة الأرضية فكأنه جعل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية لخدمة ربع الكرة الأرضية. ومن العجيب أن المطر يسقط في مواقع قد لا تنتفع به، مثل هضاب الحبشة التي تسقط عليها الأمطار وتصحب من تلك الهضاب مادة الطمي لتكون نهر النيل لنستفيد نحن منه. ونجد الحق سبحانه يقول:

ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السمآء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشآء ويصرفه عن من يشآء..

[النور: 43]. وهنا يقول الحق سبحانه:

هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون

[النحل: 10]. ولولا عملية البخر وإعادة تكثيف البخار بعد أن يصير سحابا لما استطاع الإنسان أن يشرب الماء المالح الموجود في البحار، ومن حكمة الحق سبحانه أن جعل مياه البحار والمحيطات مالحة فالملح يحفظ المياه من الفساد. وبعد أن تبخر الشمس المياه لتصير سحابا، ويسقط المطر يشرب الإنسان هذا الماء الذي يغذي الأنهار والآبار، وكذلك ينبت الماء الزرع الذي نأكل منه. وكلمة ﴿ شجر ﴾ تدل على النبات الذي يلتف مع بعضه. ومنها كلمة " مشاجرة " والتي تعني التداخل من الذين يتشاجرون معا. والشجر أنواع فيه مغروس بمالك وهو ملك لمن يغرسه ويشرف على إنباته، وفيه ما يخرج من الأرض دون أن يزرعه أحد وهو ملكية مشاعة، وعادة ما نترك فيه الدواب لترعى، فتأكل منه دون أن يردها أحد. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿ فيه تسيمون ﴾ [النحل: 10]. من سام الدابة التي ترعى في الملك العام، وساعة ترعى الدابة في الملك العام فهي تترك آثارها من مسارب وعلامات. ويسمون الأرض التي يوجد بها نبات ولا يقربها حيوان بأنها " روضة أنف " بمعنى أن أحدا لم يأت إليها أو يقربها كأنها أنفت أن يقطف منها شيء. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿ ينبت لكم به... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٢٩