لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون..
[النساء: 172]. فلن يمتنعوا عن عبادة الله والسجود له رغم أن الله كرمهم ورفعهم. ثم يقول تعالى: ﴿ يخافون ربهم... ﴾.
16.50
ما هو الخوف؟ الخوف هو الفزع والوجل، والخوف والفزع والوجل لا يكون إلا من ترقب شيء من أعلى منك لا تقدر أنت على رفعه، ولو أمكنك رفعه لما كان هناك داع للخوف منه لذلك فالأمور التي تدخل في مقدوراتك لا تخاف منها، تقول: إن حصل كذا أفعل كذا.. الخ: وإذا كان الملائكة الكرام:
لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
[التحريم: 6]. فما داعي الخوف إذن؟ نقول: إن الخوف قد يكون من تقصير حدث منك تخاف عاقبته، وقد يكون الخوف عن مهابة للمخوف وإجلاله وتعظيمه دون ذنب ودون تقصير، ولذلك نجد الشاعر العربي يقول في تبرير هذا الخوف:
أهابك إجلالا وما بك قدرة علي
ولكن ملء عين حبيبها
إذن: مرة يأتي الخوف لتوقع أذى لتقصير منك، ومرة يأتي لمجرد المهابة والإجلال والتعظيم. وقوله تعالى: ﴿ من فوقهم.. ﴾ [النحل: 50]. ما المراد بالفوقية هنا؟ نحن نعرف أن الجهات ست: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف.. بقيت جهة الفوقية لتكون هي المسيطرة ولذلك حتى في بناء الحصون يشيدونها على الأماكن العالية لتتحكم بعلوها في متابعة جميع الجهات. إذن: فالفوقية هي محل العلو، وهذه الفوقية قد تكون فوقية مكان، أو فوقية مكانة. فالذي يقول: إنها فوقية مكان، يرى أن الله في السماء، بدليل أن الجارية التي سئلت: أين الله؟ أشارت إلى السماء، وقالت: في السماء. فأشارت إلى جهة العلو لأنه لا يصح أن نقول: إن الله تحت، فالله سبحانه منزه عن المكان، وما نزه عن المكان نزه عن الزمان، فالله عز وجل منزه عن أن تحيزه، لا بمكان ولا بزمان لأن المكان والزمان به خلقا.. فمن الذي خلق الزمان والمكان؟ إذن: ما داما به خلقا فهو سبحانه منزه عن الزمان والمكان. وهم قالوا بأن الفوقية هنا فوقية حقيقية.. فوقية مكان، أي: أنه تعالى أعلى منا.. ونقول لمن يقول بهذه الفوقية: الله أعلى منا.. من أي ناحية؟ من هذه أم من هذه؟ إذن: الفوقية هنا فوقية مكانة، بدليل أننا نرى الحرس الذين يحرسون القصور ويحرسون الحصون يكون الحارس أعلى من المحروس.. فوقه، فهو فوقه مكانا، إنما هل هو فوقه مكانة؟ بالطبع لا. وقوله تعالى: ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [النحل: 50]. وهذه هي الطاعة، وهي أن تفعل ما أمرت به، وأن تجتنب ما نهيت عنه، ولكن الآية هنا ذكرت جانبا واحدا من الطاعة، وهو: ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [النحل: 50]. ولم تقل الآية مثلا: ويجتنبون ما ينهون عنه، لماذا؟.. نقول: لأن في الآية ما يسمونه بالتلازم المنطقي، والمراد بالتلازم المنطقي أن كل نهي عن شيء فيه أمر بما يقابله، فكل نهي يؤول إلى أمر بمقابله.
فقوله سبحانه: ﴿ ويفعلون ما يؤمرون ﴾ [النحل: 50]. تستلزم منطقيا " ويجتنبون ما ينهون عنه " وكأن الآية جمعت الجانبين. والحق سبحانه وتعالى خلق الملائكة لا عمل لهم إلا أنهم هيموا في ذات الله، ومنهم ملائكة موكلون بالخلق، وهم:
فالمدبرات أمرا
[النازعات: 5]. ويقول تعالى:
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..
[الرعد: 11]. ومنهم:
وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين
[الانفطار: 10-11]. إذن: فهناك ملائكة لها علاقة بنا، وهم الذين أمرهم الحق سبحانه أن يسجدوا لآدم حينما خلقه الله، وصوره بيده، ونفخ فيه من روحه.. وكأن الله سبحانه يقول لهم: هذا هو الإنسان الذي ستكونون في خدمته، فالسجود له بأمر الله إعلان بأنهم يحفظونه من أمر الله، ويكتبون له كذا، ويعملون له كذا، ويدبرون له الأمور.. الخ. أما الملائكة الذين لا علاقة لهم بالإنسان، ولا يدرون به، ولا يعرفون عنه شيئا، هؤلاء المعنيون في قوله سبحانه لإبليس: