تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.114

قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اشتد الحال بأهل مكة حتى أكلوا الجيف، كان يرسل إليهم ما يأكلونه من الحلال الطيب رحمة منه صلى الله عليه وسلم بهم فيقول: ﴿ فكلوا مما رزقكم الله.. ﴾ [النحل: 114]. أي: أن هذا الرزق ليس من عندي، بل من عند الله. ﴿ حلالا طيبا.. ﴾ [النحل: 114]. ذلك لأنهم كانوا قبل ذلك لا يتورعون عن أكل ما حرم الله، ولا عن أكل الخبيث، فأراد أن ينبههم أن رزق الله لهم من الحلال الطيب الهنيىء، فيبدلهم الحلال بدل الحرام، والطيب بدل الخبيث. وقوله تعالى: ﴿ واشكروا نعمت الله.. ﴾ [النحل: 114]. وهنا إشارة تحذير لهم أن يقعوا فيما وقعوا فيه من قبل من جحود النعمة ونكرانها والكفر بها، فقد جربوا عاقبة ذلك، فنزع الله منهم الأمن، وألبسهم لباس الخوف، ونزع منهم الشبع ورغد العيش، وألبسهم لباس الجوع، فخذوا إذن عبرة مما سلف: ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ [النحل: 114]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنما حرم عليكم... ﴾.

16.115

الحق سبحانه وتعالى بعد أن قال:

فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا..

[النحل: 114]. أراد أن يكرر معنى من المعاني سبق ذكره في البقرة والمائدة، فقال في البقرة:

إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم

[البقرة: 173]. وقال تعالى في سورة المائدة:

حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به..

[المائدة: 3]. وهذه الأشياء كنتم تأكلونها وهي محرمة عليكم، والآن ما دمنا ننقذكم، ونجعل لكم معونة إيمانية من رسول الله، فكلوا هذه الأشياء حلالا طيبا. ولكن، لماذا كرر هذا المعنى هنا؟ التكرار هنا لأمرين: الأول: أنه سبحانه لا يريد أن يعطيهم صورة عامة بالحكم، بل صورة مشخصة بالحالة لأنهم كانوا جوعى يريدون ما يأكلونه، حتى وإن كانت الجيف، ولكن الإسلام يحرم الميتة، فأوضح لهم أنكم بعد ذلك ستأكلون الحلال الطيب. ثانيا: أن النص يختلف، ففي البقرة:

ومآ أهل به لغير الله..

[البقرة: 173]. وهنا: ﴿ ومآ أهل لغير الله به.. ﴾ [النحل: 115]. وليس هنا من قبيل التفنن في الأسلوب، بل المعنى مختلف تماما ذلك لأن الإهلال هو رفع الصوت عند الذبح، فكانوا يرفعون أصواتهم عند الذبح، ولكن والعياذ بالله يقولون: باسم اللات، أو باسم العزى، فيهلون بأسماء الشركاء الباطلين، ولا يذكرون اسم الله الوهاب. فمرة يهلون به لغير الله، ومرة يهلون لغير الله به. كيف ذلك؟ قالوا: لأن الذبح كان على نوعين: مرة يذبحون للتقرب للأصنام، فيكون الأصل في الذبح أنه أهل لغير الله به. أي: للأصنام. ومرة يذبحون ليأكلوا دون تقرب لأحد، فالأصل فيه أنه أهل به لغير الله. إذن: تكرار الآية لحكمة، وسبحان من هذا كلامه. وقوله: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد.. ﴾ [النحل: 115]. الاضطرار: ألا تجد ما تأكله، ولا ما يقيم حياتك. والحق سبحانه وتعالى يعطينا هنا رخصة عندما تلجئنا الضرورة أن نأكل من هذه الأشياء المحرمة بقدر ما يحفظ الحياة ويسد الجوع، فمعنى غير باغ غير متجاوز للحد، فلو اضطررت وعندك ميتة وعندك طعام حلال، فلا يصح أن تأكل الميتة في وجود الحلال. ﴿ ولا عاد ﴾ [النحل: 115]. أي: ولا معتد على القدر المرخص به، وهو ما يمسك الحياة ويسد جوعك فقط، دون شبع منها. ويقول تعالى: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ [النحل: 115]. وفي البقرة:

فلا إثم عليه..

[البقرة: 173]. فالمعنى واحد، ولكن هنا ذكر المغفرة والرحمة، وهناك ذكر سببهما. وتجد الإشارة هنا إلى ما يتشدق به البعض من الملاحدة الذين يبحثون في القرآن عن مغمز، فيقولون: طالما أن الله حرم هذه الأشياء، فما فائدتها في الكون؟ نقول: أتظنون أن كل موجود في الكون وجد ليؤكل، أليس له مهمة أخرى؟ ومن ورائه مصلحة أخرى غير الأكل، فإن حرم الإسلام أكله فقد أباح الانتفاع به من وجه آخر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٦٩