16.80
قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا.. ﴾ [النحل: 80]. كلمة سكن مأخوذة من السكون، والسكون ضد الحركة، فالبيت نسميه سكنا لأن الإنسان يلجأ إليه ليرتاح فيه من حركة الحياة خارج البيت، إذن: في الخارج حركة، وفي البيت سكن. والسكن قد يكون ماديا كالبيت وهو سكن القالب، وقد يكون معنويا، كما قال تعالى في حق الأزواج:
خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها..
[الروم: 21]. فالزوجة سكن معنوي لزوجها، وهذا يسمونه سكن القلب. فإن قال قائل: ﴿ من بيوتكم.. ﴾ [النحل: 80]. يعني: نحن الذين صنعناها وأقمناها. فكيف جعلها الله لنا؟. نقول: وأنت كيف صنعتها؟ ومم بنيتها؟ صنعتها من غاب أو خشب، أو بنيتها من طين أو طوب.. كل هذه المواد من مادة الأرض من عطاء الله لك، وكذلك العقل الذي يفكر ويرسم، والقوة التي تبني وتشيد كلها من الله. إذن: ﴿ جعل لكم ﴾ إما أن يكون جعلا مباشرا، وإما أن يكون غير مباشر.. فالله سبحانه جعل لنا هذه المواد.. هذا جعل مباشر، وأعاننا وقوانا على البناء.. هذا جعل غير مباشر. لكن في أي الأماكن تبنى البيوت؟ البيوت لا تبنى إلا في أماكن الاستقرار، التي تتوفر لها مقومات الحياة.. فقبل أن ننظم مدينة سكنية نبحث أولا عن مقومات الاستقرار فيها من مأكل ومشرب ومرافق وخدمات ومياه وصرف.. إلى آخره. فإن وجدت هذه المقومات فلا مانع من البناء هنا.. فإذا لم توجد المرافق في الصحراء ومناطق البدو، هنا لا يناسبها البيوت والبناء الدائم، بل يناسبها: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم.. ﴾ [النحل: 80]. فنرى أهل البدو يتخذون من الجلود بيوتا مثل الخيمة والفسطاط.. حيث نراهم كثيري التنقل يبتغون مواطن الكلأ والعشب، ويرحلون طلبا للمرعى والماء، وهكذا حياتهم دائمة التنقل من مكان لآخر.. فيناسبهم بيت من جلد أو من صوف أو من وبر خفيف الحمل، يضعونه أينما حطوا رحالهم، ويرفعونه أينما ساروا.. والظعن هو التنقل من مكان لآخر. إذن: كلمة سكن تفيد الاستقرار، وتوفر كل مقومات الحياة ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول لآدم:
اسكن أنت وزوجك الجنة..
[البقرة: 35]. أي: المكان الذي فيه راحتكم، وفيه نعيمكم، فحدد له مكان إقامة وسكن.. ومكان الإقامة هذا قد يكون عاما، وقد يكون خاصا، مثل لو قلت: أسكن الإسكندرية.. هذا سكن عام، فلو أردت السكن الحقيقي الخاص بك لقلت: أسكن في شارع كذا، وفي عمارة رقم كذا، وفي شقة رقم كذا، وربما كان لك حجرة خاصة من الشقة هذه. إذن: هذا سكن خاص بك.
. سكنك الحقيقي الذي تشعر فيه بالهدوء والراحة والخصوصية، فالسكن يحتاج إلى استقرار ذاتي لا يشاركك فيه أحد ولذلك نرى بعض سكان العمارات يشكون من الإزعاج والضوضاء، ويتمنون أن يعيشوا في بيوت مستقلة تحقق لهم الراحة الكافية التي لا يضايقهم فيها أحد. إذن: حينما ننظر إلى السكون.. إلى السكن، نحتاج المكان الضيق الذي يحقق لنا الخصوصية التامة التي تصل إلى حجرة، مجرد حجرة، ولكنها تعني السكن الحقيقي الخاص بي، وقد تصل الخصوصية أن نجعل لكل ولد من الأولاد سريرا خاصا به في نفس الحجرة. فإذا ما نظرنا إلى الحركة في الحياة وجدنا الإنسان على العكس يطلب السعة لأن الحركة تقتضي السعة في المكان، فمن كان عنده مزرعة يطلب عزبة، ومن كان عنده عزبة يتمنى ثانية وثالثة وهكذا لأن حركة الحياة تحتاج مجالا واسعا فسيحا. هذا عن النوع الأول، وهو السكن المادي سكن القالب، وهو من أعظم نعم الله على عباده.. أن يكون لهم سكن يأوون إليه، ويرتاحون فيه من عناء وحركة الحياة. ولذلك حينما أراد الحق سبحانه أن يعذب بني إسرائيل، أشاع سكنهم في الأرض كلها، وحرمهم من نعمة السكن الحقيقي الخاص، فقال تعالى: