ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها..
[البقرة: 106]. وإليك أمثلة للنسخ في القرآن الكريم: حينما قال الحق سبحانه:
فاتقوا الله ما استطعتم..
[التغابن: 16]. جعل الاستطاعة ميزانا للعمل، فالمشرع سبحانه حين يرى أن الاستطاعة لا تكفي يخفف عنا الحكم، حتى لا يكلفنا فوق طاقتنا، كما في صيام المريض والمسافر مثلا، وقد قال تعالى:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
[البقرة: 286]. وقال:
لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها
[الطلاق: 7]. فليس لنا بعد ذلك أن نلوي الآيات ونقول: إن الحكم الفلاني لم تعد النفس تطيقه ولم يعد في وسعنا، فالحق سبحانه هو الذي يعلم الوسع ويكلف على قدره، فإن كان قد كلف فقد علم الوسع، بدليل أنه سبحانه إذا وجد مشقة خفف عنكم من تلقاء نفسه سبحانه، كما قال تعالى:
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا..
[الأنفال: 66]. ففي بداية الإسلام حيث شجاعة المسلمين وقوتهم، قال تعالى:
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين..
[الأنفال: 65]. أي: نسبة واحد إلى عشرة، فحينما علم الحق سبحانه فيهم ضعفا، قال:
الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين..
[الأنفال: 66]. أي: نسبة واحد إلى اثنين. فالله تعالى هو الذي يعلم حقيقة وسعنا، ويكلفنا بما نقدر عليه، ويخفف عنا عند الحاجة إلى التخفيف، فلا يصح أن نقحم أنفسنا في هذه القضية، ونقدر نحن الوسع بأهوائنا. ومن أمثلة النسخ أن العرب كانوا قديما لا يعطون الآباء شيئا من المال على اعتبار أن الوالد منته ذاهب، ويجعلون الحظ كله للأبناء على اعتبار أنهم المقبلون على الحياة. وحينما أراد الحق سبحانه أن يجعل نصيبا للوالدين جعلها وصية فقال:
كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين..
[البقرة: 180]. فلما استقر الإيمان في النفوس جعلها ميراثا ثابتا، وغير الحكم من الوصية إلى خير منها وهو الميراث، فقال تعالى:
ولأبويه لكل واحد منهما السدس..
[النساء: 11]. إذن: الحق تبارك وتعالى حينما يغير آية ينسخها بأفضل منها. وهذا واضح في تحريم الخمر مثلا، حيث نرى هذا التدريج المحكم الذي يراعي طبيعة النفس البشرية، وأن هذا الأمر من العادات التي تمكنت من النفوس، ولا بد لها من هذا التدرج، فهذا ليس أمرا عقديا يحتاج إلى حكم قاطع لا جدال فيه. فانظر إلى هذا التدريج في تحريم الخمر: قال تعالى:
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا
[النحل: 67]. أهل التذوق والفهم عن الله حينما سمعوا هذه الآية قالوا: لقد بيت الله للخمر أمرا في هذه الآية ذلك لأنه وصف الرزق بأنه حسن، وسكت عن السكر فلم يصفه بالحسن، فدل ذلك على أن الخمر سيأتي فيه كلام فيما بعد. وحينما سئل صلى الله عليه وسلم عن الخمر رد القرآن عليهم:
يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما..
[البقرة: 219]. جاء هذا على سبيل النصح والإرشاد، لا على سبيل الحكم والتشريع، فعلى كل مؤمن يثق بكلام ربه أن يرى له مخرجا من أسر هذه العادة السيئة. ثم لوحظ أن بعض الناس يصلي وهو مخمور، حتى قال بعضهم في صلاته: أعبد ما تعبدون، فجاء الحكم:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون..
[النساء: 43]. ومقتضى هذا الحكم أن يصرفهم عن الخمر معظم الوقت، فلا تتأتى لهم الصلاة دون سكر إلا إذا امتنعوا عنها قبل الصلاة بوقت كاف، وهكذا عودهم على تركها معظم الوقت، كما يحدث الآن مع الطبيب الذي يعالج مريضه من التدخين مثلا، فينصحه بتقليل الكمية تدريجيا حتى يتمكن من التغلب على هذه العادة.
وبذلك وصل الشارع الحكيم سبحانه بالنفوس إلى مرحلة ألفت فيها ترك الخمر، وبدأت تنصرف عنها، وأصبحت النفوس مهيئة لتقبل التحريم المطلق، فقال تعالى: