16.62
قوله تعالى: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون.. ﴾ [النحل: 62]. الأليق أن الذي يخرج لله يجب أن يكون من أطيب ما أعطاه الله، فإذا أردت أن تتصدق تصدق بأحسن ما عندك، أو على الأقل من أوسط ما عندك.. لكن أن تتصدق بأخس الأشياء وأرذلها.. أن تتصدق مما تكرهه، كالذي يتصدق بخبز غير جيد أو لحم تغير، أو ملابس مهلهلة، فهذا يجعل لله ما يكره. والحقيقة أن الناس إذا وثقوا بجزاء الله على ما يعطيه العبد لأعطوا ربهم أفضل ما يحبون.. لماذا؟ لأن ذلك دليل على حبك للآخرة، وأنك من أهلها، فأنت تعمرها بما تحب، أما صاحب الدنيا المحب لها فيعطي أقل ما عنده لأن الدنيا في نظره أهم من الآخرة. وبهذا يستطيع الإنسان أن يقيس نفسه: أهو من أهل الآخرة، أم من أهل الدنيا بما يعطي لله عز وجل؟ قوله تعالى: ﴿ ويجعلون لله ما يكرهون.. ﴾ [النحل: 62]. أي: مما ذكر في الآيات السابقة من قولهم:
لله البنات..
[النحل: 57]. وأن الملائكة بنات الله، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، إلى غير ذلك من أقوالهم، وجعلوا لله البنات وهم يكرهون البنات لذلك:
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم
[النحل: 58]. والمسألة هنا ليست مسألة جعل البنات لله، بل مطلق الجعل منهم مردود عليهم، فلو جعلوا لله ما يحبون من الذكران ما تقبل منهم أيضا لأنهم جعلوا لله ما لم يجعل لنفسه. فالذين قالوا: عزير ابن الله. والذين قالوا: المسيح ابن الله. لا يقبل منهم لأنهم جعلوا لله سبحانه ما لم يجعله لنفسه، فهذا مرفوض، وذلك مرفوض لأننا لا نجعل لله إلا ما جعله الله لنفسه سبحانه. فنحن نجعل لله ما نحب مما أباح الله، كما جاء في قوله تعالى:
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون..
[آل عمران: 92]. وقوله:
ويطعمون الطعام على حبه..
[الإنسان: 8]. ولذلك قال الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:
قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين
[الزخرف: 81]. فلو كان له ولد لآمنت بذلك، لكن الحقيقة أنه ليس له ولد.. إذن: ليست المسألة في جعل ما يكرهون لله بل في مطلق الجعل، ذلك لأننا عبيد نتقرب إلى الله بالعبادة، والعابد يتقرب إلى المعبود بما يحب المعبود أن يتقرب به إليه، فلو جعل الله لنفسه شيئا فهو على العين والرأس، كما في أمره أن ننفق مما نحب، ومن أجود ما نملك. ولذلك قوله تعالى:
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون..
[آل عمران: 92]. راع حق الفقير وضرورة أن تجعله كنفسك، لا يكن هينا عليك فتعطيه أردأ ما عندك.
. والحق تبارك وتعالى لما أراد أن نتقرب إليه بالنسك وذبح الهدي والأضاحي قال:
فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير
[الحج: 28]. لأنك إذا علمت أنك ستأكل منها سوف تختار أجود ما عندك. وقوله تعالى: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب.. ﴾ [النحل: 62]. الكذب: قضية ينطق بها اللسان ليس لها واقع في الوجود، أي مخالفة للواقع المشهود به من القلب.. ولماذا يشهد عليه القلب؟ قالوا: لأنه قد يطابق الكلام الواقع، ونحكم عليه مع ذلك بالكذب، كما جاء في قوله تعالى:
إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون
[المنافقون: 1]. بالله، أهذه القضية صدق أم لا؟ إنها قضية صادقة.. أنت رسول الله وقد وافق كلامهم ما يعلمه الله.. فلماذا شهد عليهم الحق تبارك وتعالى أنهم كاذبون؟ وفي أي شيء هم كاذبون؟ قالوا: الحقيقة أنهم صادقون في قولهم: إنك لرسول الله، ولكنهم كذبوا في شهادتهم:
نشهد إنك لرسول الله..
[المنافقون: 1]. لأنهم لا يشهدون فعلا لأن الشهادة تحتاج أن يواطئ القلب اللسان ويسانده، وهذه الشهادة منهم من اللسان فقط لا يساندها القلب. الإنسان عرضة لأن يقول الصدق مرة والكذب مرة، لكن هؤلاء بمجرد أن يقولوا نشهد فهم كاذبون، وهذا معنى: ﴿ وتصف ألسنتهم الكذب.. ﴾ [النحل: 62]. لأنهم حينما يقولون مثلا: العزير ابن الله، المسيح ابن الله، الملائكة بنات الله. هذه كلها قضايا باطلة ليس لها واقع يوافق منطوق اللسان.. فألسنتهم تصف الكذب. وإن أردت أن تعرف الكذب الذي لا يطابق الواقع فاستمع إليه فبمجرد أن يقال تعلم أنه كذب.. مثل ما حدث مع مسيلمة الذي ادعى النبوة، مجرد أن قال: أنا نبي قلنا: مسيلمة الكذاب. ويقول الحق سبحانه: ﴿ أن لهم الحسنى.. ﴾ [النحل: 62]. أي: أن الكذب في قولهم لهم الحسنى فهذا اغترار وتمن على الله دون حق، ومثل هذه المقولة في سورة الكهف، في قصة أصحاب الجنتين، يقول تعالى: