تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يبني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم..

[هود: 42-43]. ويتمسك نوح بولده، ويحرص كل الحرص على نجاته فيقول:

رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق..

[هود: 45]. فيأتي فصل الخطاب في هذه القضية:

إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين

[هود: 46]. إذن: هذا الولد ليس من أهلك لأن البنوة هنا بنوة العمل، لا بنوة الدم والنسب. صحيح أن الإنسان يحب العزة ويطلبها لنفسه، ولكن يجب أن تنظر كيف تكون العزة الحقيقية؟ وما أسبابها؟ خذ العزة بالله وبالرسول وبالبيئة الإيمانية، يصبح كل الأولاد أولادك لأنهم معك في يقينك بالله وإيمانك به سبحانه.. أما أن تعتز بطريقتك أنت، فتطلب العزة في الولد الذكر، فمن يدريك أن تجد فيه العزة والعزوة والمكاثرة؟! ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ للذين لا يؤمنون... ﴾.

16.60

قوله تعالى: ﴿ مثل السوء.. ﴾ [النحل: 60]. صفة السوء أي: الصفات السيئة الخسيسة من الكفر والجحود والنكران، ومن عمى البصيرة، وغيرها من صفات السوء. لماذا كان للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء؟ لأن المعادلة التي أجروها معادلة خاطئة لأن الذي لا يؤمن بالآخرة قصر عمره.. فعمر الدنيا بالنسبة له قصير، وقد قلنا: إياك أن تقيس الدنيا بعمرها.. ولكن قس الدنيا بعمرك أنت، فعمر الدنيا مدة بقائك أنت فيها.. إنما هي باقية من بعدك لغيرك، وليس لك أنت فيها نصيب بعد انقضاء عمرك. إذن: عمر الدنيا عمرك أنت فيها.. عمرك: شهر، سنة، عشر سنوات، مائة.. هذا هو عمر الدنيا الحقيقي بالنسبة لك أنت. ومع ذلك، فعمر الدنيا مهما طال منته إلى زوال، فمن لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالآخرة قد اختار الخاسرة لأنه لا يضمن أن يعيش في الدنيا حتى متوسط الأعمار.. وهب أنك عشت في الدنيا إلى متوسط الأعمار، بل إلى أرذل العمر.. وهب أنك استمتعت في دنياك بكل أنواع المعاصي، ماذا ستكون النهاية؟ أن تفوت هذا كله إلى الموت. قارن - إذن - حال هذا بمن آمن بالله وآمن بالآخرة.. نقول لمن لا يؤمن بالآخرة: دنياك مظنونة، يمكن أن تعيش فيها، أو يعاجلك الموت.. حتى من عاش إلى متوسط الأعمار، فالنهاية إلى زوال. وما نلت من متع في دنياك أخذتها على قدر إمكاناتك أنت. إذن: أنت أخذت صفقة محدودة غير متيقنة، وتركت صفقة غير محدودة ومتيقنة.. أليست هذه الصفقة خاسرة؟ أما من آمن بالآخرة فقد ربحت صفقته، حيث اختار حياة ممتدة يجد المتعة فيها على قدر إمكانات المنعم سبحانه وتعالى. إذن: ﴿ مثل السوء.. ﴾ [النحل: 60]. أي: الصفة شديدة السوء، ذلك لأنهم خاسرون لا محالة. وقوله تعالى: ﴿ ولله المثل الأعلى.. ﴾ [النحل: 60]. لله الصفة العليا، وكأن الآية تقول لك: اترك صفة السوء، وخذ الصفة الأعلى التي تجد المتعة فيها على قدر إمكانات الحق سبحانه وتعالى. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ [النحل: 60]. العزيز أي: الذي لا يغلب على أمره، فإذا قيل: قد يوجد من لا يغلب على أمره.. نعم لكنه سبحانه عزيز حكيم يستعمل القهر والغلبة بحكمة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ولو يؤاخذ الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٠٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٠٩١