تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16.72

الحق سبحانه في الآية السابقة قنن لنا قضية القمة - قضية العقيدة - في أننا لا نعطي شيئا جعله الله لنفسه سبحانه من العبودية والألوهية والطاعة وغيرها، لا نعطيها لغيره سبحانه.. وإذا صحت هذه القضية العقدية صحت كل قضايا الكون. ثم بين سبحانه أنه خلقنا من واحد، ثم خلق من الواحد زوجة له، ليتم التناسل والتكاثر.. إذ إن استمرار بقائكم خاضع لأمرين: الأمر الأول: استبقاء الحياة، وقد ضمنه سبحانه بما أنعم به علينا من الأرزاق، فنأكل ونشرب فنستبقي الحياة، فبعد أن تحدث عن استبقاء الحياة بالرزق في الآية السابقة ذكر: الأمر الثاني: وهو استبقاء الحياة ببقاء النوع، فقال سبحانه: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا.. ﴾ [النحل: 72]. والأزواج: جمع زوج، والزوج لا يعني الرجل فقط، بل يعني الرجل والمرأة لأن كلمة زوج تطلق على واحد له نظير من مثله، فكل واحد منهما زوج.. الرجل زوج، والمرأة زوج، فتطلق - إذن - على مفرد، لكن له نظير من مثله. و ﴿ من أنفسكم.. ﴾ [النحل: 72]. أي: من نفس واحدة، كما قال في آية أخرى:

خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها..

[الزمر: 6]. يعني: أخذ قطعة من الزوج، وخلق منها الزوجة، كما خلق سبحانه حواء من آدم - عليهما السلام. أو:

وخلق منها..

[النساء: 1]. أي: من جنسها، كما قال تعالى:

لقد جآءكم رسول من أنفسكم..

[التوبة: 128]. أي: من جنسكم. فالمسألة تحتمل المعنيين.. من اتسع ظنه إلى أن الله خلق حواء من ضلع آدم أي: منه، من بعضه فلا مانع، ومن قال: خلق الله حواء كما خلق آدم خلقا مستقلا، ثم زاوج بينهما بالزواج فلا مانع.. فالأول على معنى البعضية، والثاني على معنى من جنسكم. قلنا: إن الجمع إذا قابل الجمع اقتضت القسمة آحادا.. كما لو قال المعلم لتلاميذه: أخرجوا كتبكم، فهو يخاطب التلاميذ وهم جمع. وكتبهم جمع، فهل سيخرج كل تلميذ كتب الآخرين؟!.. لا.. بل كل منهم سيخرج كتابه هو فقط.. إذن: القسمة هنا تقتضي آحادا.. وكذلك المعنى في قوله تعالى:

خلق لكم من أنفسكم أزواجا..

[الروم: 21]. أي: خلق لكل منكم زوجا. ولكي نتأكد من هذه الحقيقة، وأن الخلق بدأ بآدم عليه السلام - نرد الأشياء إلى الماضي، وسوف نجد أن كل متكاثر في المستقبل يتناقص في الماضي.. فمثلا سكان العالم اليوم أكثر من العام الماضي.. وهكذا تتناقص الأعداد كلما أوغلنا في الماضي، إلى أن نصل إلى إنسان واحد هو آدم عليه السلام - ومعه زوجه حواء، لأن أقل التكاثر من اثنين.

إذن: قوله سبحانه:

خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها..

[النساء: 1]. كلام صحيح يؤيده الاستقراء والإحصاء. لذلك يمتن ربنا سبحانه علينا أن خلق لنا أزواجا، ويمتن علينا أن جعل هذا الزوج من أنفسنا، وليس من جنس آخر، لأن إلف الإنسان وأنسه لا يتم إلا بجنسه، وهذه من أعظم نعم الله علينا، ولك أن تتصور الحال إذا جعل الله لنا أزواجا من غير جنسنا!! كيف يكون؟! هذا الزوج اشترك معنا في أشياء، واختلف عنا في شيء واحد، اتفقنا في أشياء: فالشكل واحد، والقالب واحد، والعقل واحد، والأجزاء واحدة: عينان وأذنان.. يدان ورجلان.. الخ، وهذا الاشتراك يعين على الارتقاء والمودة والأنس والألفة. واختلفنا في شيء واحد هو النوع: فهذا ذكر، وهذه أنثى. إذن: جمعنا جنس، وفرقنا النوع ليتم بذلك التكامل الذي أراده سبحانه لعمارة الأرض. وهناك احتمال أن يتحول الذكر إلى أنثى أو الأنثى إلى ذكر، لذلك خلق الله الاحتياط لهذه الظاهرة، كأن يكون للرجل ثدي صغير، أو غيره من الأعضاء القابلة للتحويل، إذا ما دعت الحاجة لتغيير النوع.. فهذا تركيب حكيم وقدرة عالية. إذن: ﴿ من أنفسكم.. ﴾ [النحل: 72]. ليزداد الإلف والمحبة والأنس والمودة بينكم ولذلك نجد في قصة سيدنا سليمان عليه السلام - والهدهد، حينما تفقد الطير وعرف غياب الهدهد قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٠٨